في التواء الكلمات والمعاني

July 3, 2012
By

يملك النظام السوريّ براعة لافتة للنظر في تغيير الدلالات المفهوميّة للكلمات. صحيح أنّ تسمياته تبقى أقلّ رعونة من تسميات صدّام حسين، صاحب «أمّ المعارك» و»المنازلة الكبرى»، كما أنّ قاموسه أقلّ مَسرَحةً من القاموس القذّافي في «الجماهيريّة» و»إسراطين» وسواهما. أمّا «النصر الإلهيّ» الذي قال به السيد حسن نصرالله فيبدو أنّه احتكار لبنانيّ غير قابل للتصدير. مع ذلك فدمشق الرسميّة ليست قصيرة الباع في صناعة الكلام الملتوي. وكلّ من يذكر (وهل يُنسى) ثالوث «الوحدة والحرّيّة والاشتراكيّة»، وما آل إليه على أرض الواقع، يلحظ حجم العدوان الذي تعرّض له العقل في سوريّة. وهناك، بالطبع، قاموس من الكلمات الأخرى التي تعني كلّ واحدة منها نقيضها، من «بطل الجولان» إلى «انتصار تشرين» إلى «مجلس الشعب»…

في الآونة الأخيرة تعزّز هذا «الكلام الجديد» (والتعبير لجورج أورويل) بمصطلح «معارضي الداخل»، وذلك في بلد لم يتورّع حكّامه، قبل الإجراءات الأمنيّة التي استدعتها «غزوة» 11 أيلول، عن اغتيال معارضي الخارج (صلاح الدين البيطار، بنان العطّار…)!. لكنّ «معارضي الداخل» هؤلاء لم يعودوا مجرّد تعبير فارغ، بل صاروا، منذ ثلاثة أيّام، يشاركون في الحكم وفي الحكومة التي شكّلها السيّد رياض حجاب. والأخير، لولا الصورة، واستناداً إلى الخبرة مع النظام السوريّ وطرق اشتغاله، إنّما يجوز الشكّ بوجوده نفسه. لكنْ هنا لا بدّ من الإشارة، أيضاً وأيضاً، إلى العبارة التي لا تقلّ عن أخواتها اعتداء على العقل، والقائلة إنّ الحكومة الجديدة تلي «انتخابات شعبيّة عامّة» و»دستوراً جديداً».
على أيّة حال، فممثّلا «معارضة الداخل» في الحكومة ليسا أقلّ من آلة النظام قدرةً على تغيير المعاني والدلالات. وهما بدورهما صادران عن تجربتين في الحزبيّة التوتاليتاريّة يُعتدّ بهما ويُفتخَر. ذاك أنّ هذه «المعارضة»، وبحسب وصفها نفسَها، ترفض إسقاط النظام وتطالب بـ»الإصلاح السياسيّ والقضاء على الفساد»، وهو عنوان يصلح أن يكون بنداً في برنامج سياسيّ في إيطاليا واليونان الديموقراطيّتين. لكنّ اللقب المتواضع الذي يحمله واحدهما، السيّد قدري جميل، لا يقلّ عن رئاسة «الجبهة الشعبيّة للتغيير والتحرير» و»حزب الإرادة الشعبيّة»! أمّا ثانيهما، السيّد علي حيدر، فـ»رئيس الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ» الذي لا يجرؤ على الإشارة إلى اختلاف «الأمّة السوريّة» التي يقول بها عن «الأمّة العربيّة» التي يقول بها البعث (حلّ السوريّون القوميّون هذه المعضلة بالكلام عن «أمّتنا» والعالم العربيّ).
تصل مهزلة المعاني والدلالات إلى ذروتها مع التدقيق في المنصبين اللذين تولاّهما ممثّلا «معارضة الداخل» في الحكومة: فقدري جميل هو «نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصاديّة ووزير التجارة الداخليّة وحماية المستهلك». يحصل هذا التعيين الطويل والفضفاض في ظلّ كارثة تحيق بالتجارة الداخليّة واقتراب الاستهلاك من الصفر. أمّا حيدر فاختُرعت له حقيبة «وزارة دولة لشؤون المصالحة الوطنيّة»، كما لو أنّ مطلقي كذبة «معارضة الداخل» يمثّلون تصديقهم لكذبتهم وينتدبون واحداً من رموز تلك «المعارضة» لرعاية «المصالحة الوطنيّة» بين السوريّين.
إنّ بطن الكذب، والحال هذه، أخصب من أن تحدّه عقول ضعيفة الخيال كمثل عقولنا.

Tags: , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • مابعد التهديد بالقصف الصاروخي

      بقلم:الياس متري الحوار الروسي -الأمريكي الأخير  انتهى  بقرار من مجلس الأمن ,وهذا القرار سجل  تفاوتا في  النقاط بين روسيا وأمريكا , حيث يقال على أن  عدد النقاط  الى جانب […]

  • الروائي الألماني العالمي غونتر غراس يُغضِبُ إسرائيل وثوار الربيع العربي.

      الروائي الألماني العالمي غونتر غراس يُغضِبُ إسرائيل وثوار الربيع العربي جوان جان   لم تمنع السنوات الخمس والثمانون التي يحملها الروائي الألماني الشهير غونتر غراس على كاهله، كما لن تنفع […]

  • خيارات سوريا

    بقلم:ميشيل كيلو من الصعب اليوم استشراف منطويات وأبعاد تدمير سوريا، سواء فيما يتعلق بأهميتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وما تمثله من إرث حضاري ودور تاريخي. ومن المحال اليوم الحديث بدقة […]

  • العراق وسوريا.. حدود التفكك المحتمل

    بقلم:حازم صاغية  يضعنا اليوم تضافر العنف الأعمى، والعجز عن الحسم العسكري، وعلامات التفتت المجتمعي، ومواضي الاستبداد السلطوي، وفتور الإرادة الدولية، أمام لوحة سورية- عراقية خطيرة جداً ومقلقة جداً. فالمتابعة اليومية […]

  • بين الأسد الاعتباري والأسد الشخصي !

    سمير صادق: بشار الأسد في حمى دولة خلافة داعش !… اني مع الوطن السوري , ولست اطلاقا ضد شخص  بشار الأسد  , فالأسد أسدين , هناك الأسد الاعتباري ,الرئاسة تعريفا […]