درس القذافية الصعب

April 15, 2012
By

يبدو أن درس «الأخ معمر» لم يكن تعليميا، لو كان كذلك لتعلمه ما بقي من استبداديي العرب قيد السلطة والحياة. ويبدو أن درس «الأخ العقيد» كان صعبا. لو كان غير ذلك لحفظه من يظنون أنه خسر سلطته وحياته لأخطاء تقنية أو إجرائية، وأن في تفادي هذه الأسباب نجاتهم.
لم تتعرض القذافية كاسم نوع بامتياز للاستبداد العربي وكمدرسة تسود أماكن كثيرة من بلاد العرب، للانهيار، لأن نمطها الليبي لم يكن أمنيا، بل انهارت لأنه كان كذلك بالتحديد. ولم يهزم قائدها لأنه لم يكن ديكتاتورا فظ القلب قاسيا وعديم الرحمة، بل هُزم لأن هذه الصفات اجتمعت فيه بأسوأ شكل يمكن أن يتخذه اجتماعها. ولم يقتل العقيد بعنف لأنه عاش ومات مظلوما، وإنما قتل لأنه كان حاكما ظالما غشوما وعدوا للعدل وقاتلا محترفا. ولم يقم حكمه على مصالح الناس، بل قام على أنانياته ومصالحه الخاصة، التي أوصلته إلى درجة من فقدان المنطق وانعدام الشعور بالواقع جعلته يخال أنه باق في السلطة إلى أبد الدهر؛ ما بقي هناك سلطة ودهر. لقد كان على ثقة مطلقة بأبدية نظامه، وكيف لا يكون وهو الذي لم يضن على حاملها الوحيد؛ أجهزته الأمنية السرية والعلنية، بأي صلاحيات أو أي مال، وغمرها غمرا بوسائل القتل والترويع والإرعاب، وأغدق عليها من هذا كله إلى حد الإسفاف، فقتلت وروعت وأرهبت ووضعت الليبيين في قفص حديدي من خوف كتم أنفاسهم وخنق عقولهم؟! ومع ذلك، وما إن لاحت سانحة حرية، حتى فجروا هذا القفص وغادروه وتنفسوا شيئا من نسيم الحرية، واختاروا بإرادتهم ما يختاره أي مظلوم؛ الخلاص من الظلم أو تفضيل الموت على الحياة، فمات عشرات الآلاف منهم كي ينعم ملايينهم بطعم العيش، ويخرجوا من نفق موتهم اليومي الذي بدا أنه بلا نهاية.
يظن الطغاة أن الاستبداد بناء يدوم لمجرد أنه يقوم على أساس من الخوف والجهل. وينسون أن الجهل لم يعد عاملا يُراهن عليه في زماننا، وأن الخوف الذي يدفع الخائف إلى اليأس هو الذي يدفعه، بعد انقطاع الرجاء، إلى شجاعة غالبا ما تكون أقرب إلى التهور ولا تعرف الخوف. ومن يتابع مجريات الحدث السوري الراهن، سيجد نفسه أمام شعب شجاع إلى درجة التهور، يحار من يراقبه في فهم ما يفعله وفي قراءة الواقع الذي ينتجه كل يوم في الشارع، فهو شعب أعزل يواجه قوى منظمة ومسلحة حتى الأسنان وعازمة على الدفاع عن النظام القائم، تنضوي في نظام أمني محدث يغطي كامل رقعة البلاد. مع ذلك، أخطأ النظام السوري الحساب، حين كلف أجهزته بتخويف واحتواء المجتمع والانتشار الأمني المكثف والدائم فيه. وها هو يكتشف بذعر أن نقطة ضعفه البنيوية هي المواطن، الذي تدفعه رغبته في الحرية إلى مواجهة الموت وهو يغني ويرقص ويحتفي مسبقا باستشهاده، وتجعله يتعالى على آلامه الجسدية والروحية المبرحة، ولا يحفل باعتقاله أو موته، حتى إن بعض الشباب اعتقل ثلاث أو أربع مرات خلال شهر واحد، على الرغم مما كان يتعرض له في كل اعتقال من تنكيل وتعذيب يفوق الوصف. هذا المواطن، الذي كنا نرى شقيقه الليبي في أجدابيا وراس لانوف، وهو ينطلق في سيارته الخاصة نحو الغرب بسرعة المتعطش إلى الموت، ونراه هو منذ عشرة أشهر وهو ينزل إلى الشارع في قلب دمشق، قرب مراكز السلطة الرئيسية، حيث يرجح أن يواجه الموت بعد لحظات من إطلاق أول شعار أو هتاف، فهو نقطة قوة الحرية ومقتل الاستبداد، وهو القوة التي لا يمكن لأحد السيطرة عليها أو قهرها، التي قهرت الاستبداد في ليبيا، حيث خاطبه «الأخ العقيد» بذعر من خلال سؤال استنكاري: من أنت؟ كأنه يستغرب وجوده وينكره في ظل ما يعرفه عن كثافة أمنه وقسوة ضباطه وعناصره، وسيقهره بالتأكيد في سوريا.
ليس مواطننا الحر حدثا غير مسبوق أو استثنائيا في حياة العرب. لو كان كذلك لما قال سيدنا الفاروق جملته الشهيرة، التي عجز عن قول ما يماثلها أعظم فلاسفة الحرية في التاريخ: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟». يحتقر الاستبداد التاريخ، لاعتقاده أنه يستطيع تطويعه والتعالي عليه والعيش خارجه. ويحتقر الإنسان ويعتبره مجرد جرذ وحثالة، كما وصفه الأخ معمر. وهو يجهل أو يتجاهل أن التاريخ هو تاريخ الإنسان فهو بمعنى ما الإنسان عينه، مثلما أن الإنسان هو التاريخ لأنه تاريخه. ويجهل المستبد أن أمة أنجبت سيدنا عمر وفهمه للحرية كصفة طبيعية ملازمة للإنسان منذ ولادته، لن ترى في الاستبداد استنارة أو عدلا، ولن تعرفه إلا كقسر وقهر لا بد أن ينفضهما إنسان التاريخ عن كاهله مهما كان الثمن.
لا يتعلم المستبد هذا الدرس، الذي لن يكون صعبا بالمرة، لو كان المستبد ابن الوطن والتاريخ. لقد دفع معمر القذافي حياته ثمنا لرفضه تعلمه، وسيدفع بقية القذاذفة الثمن عينه أو ثمنا أشد فداحة، إن هم واصلوا رفض تعلم الدرس الذي يلقنهم إياه اليوم إنسان التاريخ العربي، الذي شرع يلقي بهم إلى خارج تاريخه، لأنهم حاولوا زرعه، بين أشياء مقيتة أخرى، بلوثة الاستبداد ومجافاة الإنسان.
هل سيحفظ المستبدون درس القذافية؟ وهل سيرون في مواطنهم ذلك الإنسان الذي أبدع جميع مفردات الحضارة البشرية على وجه التقريب كالفكر المجرد، والأساطير، واللغة والكتابة، والأرقام (وخاصة منها الصفر) والزراعة، والصناعة، والتجارة، وتدجين الحيوان، وصهر وتحويل المعادن، وابتكر الدولاب وأسس الدولة، وأقام إمبراطوريات واسعة تمتعت بتقدم تقني ومادي كان نقلة حاسمة بالنسبة إلى البشرية، وأسس دولا منظمة على ركائز راسخة أذهلت الفرنجة، عندما قدموا غزاة إلى منطقتنا، وأذهلهم ما شاهدوه من شبكات ري وطرق، ومستشفيات ودوائر بريد، وتجارة وصناعة وزراعة، ومؤسسات ثقافية ومساجد وجوامع، وقصور وأحياء عامرة، ومنسوجات رائعة وثياب فاخرة، وحمامات ومياه داخل البيوت، وشوارع مضاءة ليلا.. إلخ. ومع أن إنساننا ما لبث أن تراجع إلى ما دون مستواه التاريخي هذا، فإنه حافظ في لاوعيه على خميرة فطرية كانت تستيقظ في ذاكرته كلما واجه تهديدا، وها هو ينتفض اليوم من أجل استعادة ما سلبه إياه الاستبداد: حريته وكرامته، اللتان يرى اليوم في استعادتهما حاضنة تتيح له بناء تاريخ جديد سيدخله إلى العصر مزودا بقيم إنسانية وروحية كونية يتشارك فيها مع بقية بني البشر.
تمثل انتفاضة الحرية بداية دخول العرب إلى تاريخ يصنعونه بأيديهم، حسب ما يريدون ويرغبون، إلا إذا تكرر في غدهم ما عرفوه في ماضيهم القريب، حين كانت السياسات تتحزب وتتخلى عنهم أو تخدعهم وتخونهم، وتسلمهم لمفارقة مذهلة هي أنهم حققوا بجهودهم المباشرة، وقبل تبلور أحزاب حديثة، استقلالهم ووحدتهم الوطنية، ولكن ما إن تأسست الأحزاب حتى تبنت برامج وسياسات أدت إلى تغييبهم وتغييب مجتمعهم عن الشأن العام، وأخرجتهم من السياسة بقوة الاستبداد، الذي كان من الطبيعي أن يفشل ويعجز عن تحقيق أي شيء غير الهزائم والخيبات المتعاقبة.
هل يفيد الإنسان العربي من دروس تاريخه الحديث المؤلمة غالبا، ويستأنف دوره التأسيسي كمواطن حر ينتمي إلى مجتمعات مدنية؛ حرة وعاملة، فيتوفر لنا عندئذ الحامل التاريخي الذي لا تقدم من دونه، أم نعود إلى سيرة الأحزاب المعادية لمجتمعاتها فنحصد هزائم أخطر شأنا من تلك التي عرفناها إلى اليوم؟ هذا هو التحدي الرئيسي الذي سيكون علينا مواجهته بعد إسقاط الاستبداد، ويتوقف عليه مصيرنا، إن كنا نريد الخروج حقا من هلاكنا اللعين!

Tags: ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • الفخ الإسرائيلي

    بقلم:سليمان تقي الدين: نصبت إسرائيل لأعدائها فخاً كبيراً من خلال العدوان على الجولان واغتيال مجموعة من «حزب الله» بينها ضابط إيراني رفيع المستوى. إيران الآن ليست في وارد التورط بجبهة […]

  • مبروك عليكم سوريا الأسد

    بقلم :علام أحمد بلا مجاملات. مبروك عليكم “سورية الأسد”. ما الجديد أو المستغرب؟ لماذا يسخر البعض من العرس الديمقراطي لإعلام السلطة و”عائلة الأسد”؟ هذا هو الواقع، وهذا هو جمهور السلطة […]

  • البناء الفوقي للقمع !

    بقلم:راتب شعبو: حين تقرأ عبارة “سوريا الشيشكلي” أو “سوريا القوتلي”، تفهم أن المقصود هو سوريا في زمن حكم الشيشكلي أو القوتلي. أما حين تقرأ عبارة “سوريا الأسد” فلا بد أن […]

  • اننا نحتضر وبشار الأسد يحتضر , فمن يموت أولا ؟

    أسعد حيدر: ارتكاس الموقف المؤيد على مقولة  لاوجود للأسد في مستقبل سوريا كان الازدراء والاستهزاء ,  الأسد باق  ولا بلد بدون الأسد , وبقي الأسد خمس سنوات حرب  وقبلها عشر […]

  • لا حلول سياسية بعد حديث بشار الأسد لـ«الصنداي» البريطانية!!

    في مقابلة مع «الصنداي تايمز» البريطانية عدد يوم الأحد الماضي كرر الرئيس السوري بشار الأسد كلمة «الإرهاب والإرهابيين»، في وصف الجيش الحر وقوى المعارضة السورية، أربعا وثلاثين مرة وهذا يدل […]