تصدع السلطة وتلاشيها المتدرج

المشهد العربي  يقدم مؤشرات تبشر بتصدع كبير في بنية السلطات المستبدة , تصدع قاد الى انهيار هذه السلطات في العديد من البلدان العربية , وسلطات  بلدان أخرى  تتآكل  وتحتضر   وتتقزم,حيث  تقامر الآن  سلطات القمع والاستبداد في هذه البلدان    بورقة الافناء عن طريق الحروب الأهلية , انها تتقبل كل شيئ  الا رحيلها ..تتقبل الفقر والعزلة  والتقتيل والعنف وممارسة الدجل والكذب   وحتى تهديم الوطن بشكل  كامل ..الا الرحيل , والمفارقة الكبرى هنا   هي اعتراف السلطة بأخطاء فادحة وباكتنافها لأعلى مستويات الفساد في العالم  , الى جانب اصرارها  على البقاء  وعدم الرحيل , سابقة لاتعرفها أي سلطة في العالم , وحتى  النظام الكوري الشمالي لايعترف بالفشل , الذي تعترف به السلطة السورية .

لم يعد للسلطة ذلك الدور في الحياة السياسية  والاجتماعية والاقتصادية وحتى العسكرية , فالى جانب السلطة توجد الآن في سوريا مناطق عديد   لاسلطة للسلطة عليها , ويأتي  الآن قرار مجلس الأمن  (2042)  ليؤكد  وجود خطوط تماس كتائب السلطة مع كتائب المعارضة  , وذلك في سوريا المحكومة بالحديد والنار منذ  نصف قرن من الزمن , كل ذلك حدث خلال  عام من الزمن ..تصدع  من الصعب  ايجاد مثيل له ,وانهيار اخلاقي  لاشبيه له  ,  صدور قرار من مجلس الأمن  بموافقة جماعية   يقول  ان السلطة السورية انتهكت حقوق الانسان , كما انتهكتها االمجموعات المسلحة , هي سلبقة لامثيل لها ,سلطة تقبل على نفسها  ذلك الانحدار , هي سلطة  لاتهتم  بقيمة هذه الانحدارات , سلطة لها  أهداف  أخرى  , سلطة النهب والاسترزاق  ..عينك عينك ..مهما كلف الأمر !
وحتى في مجال الحياة  القضائية والقانونية والدستورية  صدعت السلطة القوانين والدساتير , التي  صيغت  بعد الاستقلال  وبلورت  قواعد قانونية سامية   ومبادئ  فصل  السلطات والمساواة  أمام القانون  وحماية الحريات  وتحقيق المواطنية  والديموقراطية  والعدالة الاجتماعية ,واول من انتهك حرمة القانون كانت السلطة , التي افرغت القانون من مضامينه ,واستبدلتها   بعرف النزوات    واعطاء  الامتيازات  الشخصية , التي  قضت على مصالح الوطن , اندثر الوطن   وتقزم  ليصبح  بلورة لشخص واحد يملك كامل الوطن  بدوابه وأرضه وسمائه , يأخذ ما يشاء ويعطي من يشاء ..انه الله .  وعندما يهب لاتسأل عن السبب , انها النزوات  التي قد تتغير كل يوم ثلاثة مرات  , له كتائبه التي يمولها الشعب , وله شبيحته التي يمولها الشعب ,له مدافعه  ودباباته التي يقتل بها ىالشعب , له دوافعه  التي لايعرفها الشعب , يدعي العلمانية ويمارس الطائفية  ,  يدعي  الاستقلالية  ويحول البلاد الى مستعمرة ,وكلما ازداد ثراء , ازداد الشعب فقرا , ميزانية  الشعب هزيلة لاتجاوز 15 مليار دولار ,  أما ميزانية السرقات  فهي على الأقل ثلاثة أضعاف الميزانية العامة ,   بربكم ! هل يعرف أحد منكم سلطة بهذه الخواص في العالم ؟؟

سلطة  قضت على شرعيتها  ,وبهدلت  الدولة في العالم , الذي احجم بأكثر من نصف دوله عن  الاعتراف بالسلطة كممثلة للشعب السوري  , وهذه الدول اعترفت  بالمجلس الوطني كممثلا شرعيا للشعب السوري , وماذ فعل المهدد المتوعد  وزير خارجية السلطة مع هذه الدول التي هددها قبل  أشهر  بأقصى العقوبات  ؟ ومن هو ليعاقب  احدا ؟, فحجمه السياسي  يتناسب عسكا مع حجمه الفيزيائي  وحجم عقله , حفنة منالزعران   بهدلت   الدولة السورية  والشعب السوري , الذي يستحق  دولة أكثر حضارة   وتمثيلا أكثرشفافية  ونزاهة .

السلطة تعاني من الوهن, لان انتمائها الى الوطن ككل مشكوك بأمره, فالسلطة ذات انتماءات عسكرية  وطائفية أو قبلية أو اثنية.وهذا ما أدى الى تراجع  مبادئ الدولة  التي نص عليها الدستور المغدور ,والنزوات التي حلت محل الدستور سمحت بتحول السلطة الى اداة  استبدادية تستند  بشكل رئيسي  على الأجهزة الأمنية وبعض المكونات  التقليدية الأخرى ..عائلات وعشائر  وطوائف  ومرتزقة  وشبيحة ونبيحة ..الخ  ,  وبذلك تحولت  القوانين والدساتير امر   كماليات لا حاجة حقيقية لها , الدساتير  والقوانين   الفعالة مثلت العائق الأكبر أمام   تمادي السلطة في   تطورها الغريزي   وفي تنفيذ نزواتها  في مجال اغتصاب الحريات وسرقة البلاد  وممارسة الاستبداد  والعنصرية الفئوية ثم الطائفية والعائلية  , وتنفيذ  مطالب النزوات   تطلب  وضع كل  مقدرات البلاد في يد واحدة  ولمصلحة الجهة التي تنتمي اليها هذه اليد , اليد الواحدة سيطرت  على السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية  والسلطة الرابعة,  وكل ذلك أفرز  الطغيان   وسيادة نظام الطاعة المطلق ,وانعدام الحرية الفكرية والسياسية  وانحسار النهوض الاقتصادي  , وبالتالي سيادة الفقر  والاجرام   والبطالة والفساد ,  ولكي يتحقق ذلك بشكل تام  كان لابد من غياب  المراقبة والمحاسبة  , الذي بلغ  درجات  غير مألوفة اطلاقا , فالرئيس الذي   يعترف  بفساد حاكميته, يصر على بقائه كرأس للسلطة, حتى ولو كلف ذلك حربا أهلية  , وبالحديد والنار , وبدلا من  أن يذهب  بسبب اخطائه القاتلة الى السجن المؤبد ,  أراد ويريد   أن يبقى الرئيس الى الأبد ,  اما الأسد أو لا أحد !!!  ,انه تصدع  ومفارقات  لامثيل  لها في العالم , واقعةلايعرف  التاريخ لها شبيها ,  والطامة الكبرى تتمثل في  عدم ادراك الرئاسة  للدرك والحضيض التي وصلت  اليه   اخلاقيا    وأوصلت    البلاد    اليه .ا

تصدع السلطة انعكس  ليصبح تصدع للدولة , التي فقدت جيشها , لأنه تحول الى كتائب خاصة , وبالتالي  وصلت البلاد الى مرحلة ماقبل الدولة , التي  استبدلهتها السلطة  بمنظومة الطوائف والمنظومات العشائرية والعائلية والقبلية , وبالتالي  تحول الانتماء من الدولىة ليستقر في  العشيرة والعائلة , المواطن السوري أصبح فردا علويا أو مسيحيا أو سنيا , وحتى المثقف تحول من مثقف سوري , الى علوي مثقف أو مسيحي مثقف أو سني مثقف  , ومن أكبر  تصدعات السلطة  هي تمكنها من تحويل مشروع تغيير الحاكم الى مشروع  قيام حرب أهلية  بكل ضراوتها وتخريبها ,   حيث  تقلصت خيارات  الانسان السوري الى خيارين  , اما الانصياع الى الرعاع , أو تخريب البلاد بحرب أهلية ,    وحرص الكثير من العقلاء والغيورين على الوطن  على تفادي الحرب الأهلية  مهما كان الثمن , فسرته السلطة القاصرة  عقليا  على  أنه  أحد معالم شعبيتها   الكاسحة , هنا لم تسأل السلطة نفسها  اذا كان هناك  أي سبب عند المواطن لكي يؤيد  سلطة دمرته ودمرت وطنه ,  والسلطة صدقت  كذبها بخصوص المسيرات  , التي  حشدت لها  أطفال المدارس والموظفين   والمستخدمين قسرا وتحت طائلة العقاب ,  صدقت كل ذلك  , كما صدقت   نتائج استفتاء  يقول بحصول الرئيس على 99,99% من الأصوات , أقل من والده بقليل , فالوالد حصل على 100% من أصوات الشعب , وذلك في مايسمى  “ولايته” الثانية بعد مجزرة حماه.
لم يعد غريباً ان تنبعث في العالم العربي مكونات ما قبل الدولة، ,التي تتطلب عودة الزخم الطائفي والعائلي والعشائري , أي عودة  عدم الاهتمام بالمجتمع  والعقد الاجتماعي  , وانما الاهتمام الفئوي فقط  , وعندما يقال على أن هذه البنيات التي أيقظتها مصالح البعض , ستقوم بهدم الدولة   فهذا شبه خطأ ,  لاتقوم قائمة لهذه البنيات  في ظل الدولة  العقدية  والمجتمع العقدي  ’ وانما بعد  تدمير هذه الدولة وهذا المجتع.

لاتوجد مخاطر اساسية اضافية في سوريا  , الواقعة وقعت  , والدولة انتهت   على يد السلطة  , التي تلوح  بالتقسيم  الجغرافي كحل للتقسيم  الطائفي, وبالرغم من ذلك  أرى نورا في نهاية النفق ,  وما حدث في تونس ومصر وليبيا   واليمن , سيحدث في سوريا , السلطة  بائدة لامحالة   , وذلك مهما اختلفت طرق علاج الشعوب العربية   لمشاكلها المتشابهة , بعد السقوط المرتقب  ستكون هناك فترة ليست بالقصيرة , بها سيتم البحث عن الذات  وترميم كوارث مافات , وهذه الفترة ستكون مرهقة  وليست بدون نكسات   , الا أنها تعد اجماليا  بحياة أفضل , ولا مقارنة لها مع  الوضع الحالي  الذي هو الخراب بعينه  .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *