كيف وصل الاسلاميون الى نتائج الانتخابات هذه ؟؟

لاشك بفوز التيارات الاسلامية   بشكل مطلق أو نسبي  في الدول التي جرت بها انتخابات حرة , ولانتصار هذه التيارات اسباب عدة , من أهمها فشل الحكومات التي تدعي العلمانية  في احراز أي تقدم اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي أو  عسكري,  ثم قلب هذه الحكومات لسحنتها  , لتصبح  سحنة  غريبة عجيبة  ,  ملكية- جمهورية , تورث , وتملك الوطن  بعظمه ولحمه , وفي ظل هذا الاستلاب للوطن ومقدراته تراخى  التعليم والتنوير , وسيطر الجهل  , حيث تمكنت التيارات الاسلامية عندها من احتلال العقل الواهي  و الذي أهلكته الديكتاتوريات وقضت عليه تقريبا , حيث سهل هذا القتل  دخول كم هائل من الخزعبلات  والهلوسات الى الرأس  المصدوم بدون أي مقاومة.. رحاب  جنة السماء تنتظر  المؤمن , الذي فقد جنته الأرضية ,  وضع شبه مثالي لنمو الفكر  الغيبي  الديني, الذي سيقود اتباعه الى اختيار ممثلين عنهم   وذلك من من نفس وعاء الجهل الذي نهل منه  هؤلاء الأتباع  .

العلمانية هي تهمة  وادعاء في نفس الوقت , فالتيارات  الاخوانية تتهم  ما بقي من تيارات شبه مدنية  بالعلمانية , واخونجية   الديكتاتوريات السياسية  يتبجحون بادعائهم  العلمانية  , الا أن واقع الحال  يدل على أن التهمة غير صحيحة والادعاء أيضا  ,وخواص علمانية الادعاء تقتصر على  وقوف هذه النظم على بعد واحد من كافة الطوائف نظريا , عمليا يقترب بعضها كثيرا من طائفة ويبتعد عن أخرى , ويدعي في الوقت نفسه العلمانية ,  الا أن الادعاء مصيب بعض الشيئ  في بعض المجالات   ومنها المجال  الاقتصادي   الريعي ,  الا أنه بعيد جدا عن الصحة في مجال  التربية والتعليم   وفي مجال الأحوال الشخصية  وحرية الاعتقاد  ورعاية الفكر والعقل  , ففي هذه الدول لايوجد اطلاقا فصل بين الدولة والدين  , بل تداخل كبير  وأحلاف ضخمة , رجال الدين ورجال السياسة  في الديكتاتوريات  متحدون   ومتفقون  شفهيا على اقتسام السلطة وغنائمها  ,  كل منهم يسخر الآخر لخدمته ,فأول الاصلاحات التي وعدت بها الرئاسة السورية   كانت تحقيق رغبات البوطي الثلاثة , واصدار فرمانات الاستسقاء  الرئاسية  , الرئيس يشرع  والبوطي يكبر , وعن بناء المساجد ومدارس تحفيظ القرآن  والمدارس الدينية  فحدث ولا حرج , نصف مدارس تحفيظ القرآن  تقريبا  بنيت  على حساب الرئاسة الخاص  ,  والتاريخ السوري  لايعرف تكاثرافي بناء المساجد  , أكثر من تكاثرها في نصف القرن الأخير, وعدم وجود  أي علمانية حقيقية  لم يمنع رجال الدين من متابعة النفخ في البالون  العلماني المزيف, الذي انفقع  واندثر في العديد من الاختبارات  منها حرب 67 ومنها مكافحة الفقر والفساد  وتحديد النسل  وانعدام فرص العمل .

الحركات الاسلامية اكتسبت خبرة في صياغة الخطاب السياسي , ومضامين هذه الخبرة كان في معظمه مسلكي ,  (مبدأ التدرج) , وهذا يعني اطلاق الوعود  المعتدلة  لحين الوصول الى الكرسي  , وبعد ذلك الانقضاض على السلطة والتمسك بها والغاء  الوسيلة الديموقراطية التي أوصلت هؤلاء الى السلطة (حماس) ,  ولم  تعترف التيارات الاسلامية بأكثر من صندوق الاقتراع  , داخليا بقيت هذه التيارات   بعيدة جدا عن  ماتبقى من الحضارة الديموقراطية  , لا نقاش ولا نظام داخلي  ديموقراطي , نفسية ديكتاتورية  دينية توافقت مع نفسية مشابهة لها في المجال السياسي … 

من الأسباب الأخرى التي سهلت فوز التيارات الاسلامية  هو خوف الحكومات الديكتاتورية  مدعية العلمانية من  التيارات الليبيرالية , لذا اتحدت هذه الحكومات مع التيارات الدينية في محاولة للقضاء  على اليبيرالية الديموقراطية , ونجحت في ذلك مبدئيا . حيث كثر توافد الشيوعي  والمدني الديموقراطي  الى السجون , التي تواجد بها أيضا الأصولي  , الذي لم يرض بالشراكة  في أكل الكعكة مع السلطة الديكتاتورية , لقد ارادها منفردا , ونصيبه كان السجن الانفرادي  والزنزانة , فالقضاء على التيارات المدنية خلق نوعا من الفراغ السياسي  بعد بداية انقراض الديكتاتوريات , ولم يبقى على المسرح الا التيارات الدينية , وهذا ماحدث في ايران أيام الشاه , الذي قضى على كل شيئ مدني , ولم يبقى في ايرات  كحامل للسياسة الا الخميني , حيث أتى وبقي نظامه الى هذه الساعة .  

لايمكن تجاهل  تأثيرات الدعم المادي للحركات الدينية  على نجاحها الانتخابي , ان كانت وهابية سعودية  أو ممثلة للاسلام السياسي (القرضاوي) , هذا الدعم أتى في  الوقت المناسب لهم , فالفضائيات  تتطلب توظيفا ماديا   كبيرا لاتقتدر عليه  بسهولة  الا الدول  البترولية , وهكذا انتشرت هذه الفضائيات في مشرق الأرض ومغربها , ومن كان منها في البدء علماني بعض الشيئ  تحول الى ديني بعد فترة بسبب الضغوط المادية والاغرآت   التي قدمت للأقلام لكي تكتب  مايمليه عليها رجال الدين , ففي سوريا حدث نزوح الى الخليج  ولم يعد بمقدور وزارة الاعلام ايجاد صحفي واحد من   حجم مقبول  للعمل في أجهزتها الاعلامية ,  التي لم توفر اضافة الى ذلك لهذا الصحفي أي ايجابية معنوية , اما أن يكتب ماتمليه السلطة عليه , أو يكتب مايمليه الشيخ عليه , الا أن الشيخ قادر على الدفع , اما السلطة فغير قادرة , أو بالأصح غير واعية تماما لضرورات العمل الصحفي الحر والمحرر, هكذا افرغت الديكتاتوريات الساحة  الفكرية من المفكرين , الذين ذهبوا الى السجون  أو   لكسب الرزق عند المشايخ , وفي حالة من هذا النوع لايمكن للتيارات الاسلامية الا أن تحظى بنجاح كبير في انتخابات حرة . 

هناك عامل مهم جدا  في تقدم الاخوان انتخابيا على معارضيهم , هذا العامل هو  اتساع رقعة  الصامتين  والغير آبهين بالدولة ومنظوماتها وذلك لعدم ثقتهم المزمنة بالدولة , حوالي 55% من  الشعب التونسي لم يذهب الى الانتخابات , ومعظم هؤلاء لاينتمون الى التيار الاسلامي , الذي تمكن عن طريق بنيته المتراصة المتماسكة من  تحريك كامل اتباعه الى صناديق الاقتراع , هذا الأمر يعكس تدني مستوى المواطنة عند  الانسان العربي , وأسباب هذا التدني المريع تعود الى السلطة الديكتاتورية  , التي أكرهت المواطن تقريبا  بالوطن  , وجعلته يشعر وكأنه المسروق  والمهان  المزمن , فالسلطة هي التي تحبب المواطن بالوطن , اذ أن الاحترام المتبادل هو أساس  العلاقة الايجابية  بين المواطن والوطن , ولم تترك الديكتاتوريات  أي مجال لممارسة أي احترام متبادل   , جعلت من المواطن  عمليا عدوا للوطن , لذا لايذهب هذا المواطن للاقتراع , لأنه يعتقد اعتقادا  راسخا  على أن ذهابه وعدم ذهابه سيان , ولربما  تعبر  قصة قصيرة (الأوان) عن هذا الوضع ,”فقد  زار الشيخ أحمد ابن أبي الضياف (1802-1874) باريس برفقة  سيده أحمد باي (1806-1855)  عام 1846  , حيث  أعرب أحمد باي عن تشوقه الى تونس…ما أشوقني للدخول من باب عليوة (أحد أبواب مدينة تونس) وأشتمّ رائحة الزيت من حانوت الفطائري داخله، فقلت له مداعبا، وأنا أتنفّس في هواء الحرية، وأرد من مائها، وقدماي بأرضها : يحقّ لك ذلك إن دخلت من هذا الباب تفعل ما تشاء، أما الآن فأنت رجل من الناس، فقال لي : لا سامحك الله، لم لا تحملني على حبّ الوطن لذاته، وعلى أي حالاته؟ فقلت له : إنّ هذا البلد ينسي الوطن والأهل كما قال الشاعر :
ولا عيب فيهم غير أن نزيلهم يعاب بنسيان الأحبّة والأهل”
لقد  تجاوز الشعور بالحرية والأمان من الظلم لدى الشيخ الزيتوني المستنير وهو يتجوّل في باريس قبل ما يربو عن قرن ونصف، حدود الوطن وما ارتبط به من هوية منغلقة، متمنّيا أن تمتزج الأنا بهوية الآخر.
إنّ الأنا الحرّة مثل الأنا العاشقة تتمنّى في حالات معيّنة أن تذوب في الغيرية.
تفطن هذا الشيخ المعمم إلى أنّ الوطن يتحوّل إلى سجن كبير عندما يتحكّم في رقاب الناس، وفي أرزاقهم نظام استبداديّ ذو أساليب فاشية، إذ في هذه الحالة يصبح المواطن يعيش حياة المنفى داخل حدود الوطن” بهذه القصة القصيرة الممعبرة أريد انها ءانطباعاتي عن اسباب  قوة التيارات الاسلامية انتخابيا , هذا التطور يمثل نقمة ,  كان للديكتاتوريات باعا طويلا  في ايقاعنا بها , الا أن هذه النقمة سوف لن تدوم طويلا , فكما أزال الربيع العربي رؤوس العديد من الديكتاتوريات  بسبب فشلها , سيزيل التيارات الدينية للسبب نفسه ,  الا أن المواطن يريد التأكد عمليا من فشل هذه التيارات , فليكن له مايريد .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *