الخط المعاكس للتغيير

يكابر مَن يقول إن العقوبات العربية على سوريا لن تكون فاعلة اقتصادياً وسياسياً. تتضح قريباً الفوضى الاقتصادية وانعكاساتها في الواقع الاجتماعي. لكن الأهم هو الدلالة السياسية لنتائج إخراج سوريا من الشرعية العربية وعزلها، ما يطرح على السوريين تحديات وما يسمح للغرب أن يزيد جرعات الضغط على مستويات مختلفة. 
إذا كان جواب المسؤولين السوريين «إدارة الظهر للغرب والاتجاه شرقاً» تصح في ظروف عادية فهي مغامرة ليست عابرة ولحظوية أن تختار سوريا هوية وموقعاً منفصلين عن العالم العربي. فلا العراق ولا لبنان، على فرض تعاونهما معها، هما البديل ولا إيران طبعاً إلا بحدود التعاون الدفاعي السلبي. في هذه الظروف التي تراهن فيها سوريا على خروج القوات الأميركية من العراق لفتح طريق إمدادها وخرق الحصار هناك تذخير لمواجهة عسكرية في الداخل والخارج لكن ليس هناك ما يعالج الانقسام الداخلي السياسي ولا السيطرة على «حرب العصابات المسلحة» التي تتزايد نشاطاتها. 
كل ما يقوله أنصار النظام عن امتلاك سوريا لأوراق مؤثرة ورادعة يضمر أو ينطلق من خلق فوضى مسلحة أو الدخول في حرب مع إسرائيل. هذا التهديد الذي استخدمه مسؤولون ينطوي على فرضية أن إيران (ومن خلفها روسيا ولو بدعم سياسي) يمكن أن تخوض حرباً مع إسرائيل من جبهتي سوريا ولبنان وغزة. نظن أن هذا المشهد غير محتمل وغير ممكن بعد المتغيّرات الداخلية في سوريا ولبنان والمتغيّرات العربية. لا يمكن وصف هذا المشروع إلا هروباً غير محسوب إلى وضع أقل ما يقال فيه إنها استباحة جزء مهم من المشرق العربي لاقتسام حقيقي بين الدول الفاعلة: إيران، تركيا، إسرائيل. 
على أي حال إن رصد الموقف الدولي والإقليمي بكل تفرعاته لا يميل إلى هذا الوضع أو إلى تشجيعه. استبعاد التدخل العسكري الغربي في سوريا هو الدليل على خطة إنضاج الوضع الداخلي والعمل على تناقضاته وهي كثيرة. استنزاف النظام أمنياً وسياسياً واقتصادياً واستجابة النظام لهذا الاستنزاف بعدم المبادرة السياسية يجعل الخط البياني للأزمة نحو تقليص مساحات نفوذ النظام وسيطرته. ويُقال إن هناك مناطق معينة لا تخضع لإدارة رسمية طبيعية أو للاستقرار برغم تراجع المواجهات المسلحة فيها. 
عادة ما يبدأ تفكك الدول الممركزة من الأطراف. كل الحراك السياسي حول سوريا يتجه إلى تغذية هذا الواقع من دون أن يكون هناك إعلان عن تدخل عسكري أو أمني أو أي شكل من الدعم المباشر من المناطق الحدودية. يكفي أن البيئة الحدودية لسوريا من لبنان إلى تركيا والأردن هي بيئة غير متعاونة مع النظام وتتزايد من خلالها الضغوط السياسية والمعنوية. 
كان تاريخ سوريا على الدوام يتأثر بالتيارات العابرة لحدودها من العراق وتركيا والأردن ولبنان إلى أن صارت سوريا قوة مؤثرة ومتماسكة في محيط ضعيف أو هش (الأردن ـ لبنان) أو ملجوم بضغوط دولية كما حال العراق وتركيا. لكن سوريا لعبت دائماً في المسرح العربي والدولي. 
مرة بتعاونها مع مصر ومرة مع السوفيات عام 1982 ومرة مع إيران والروس الآن. في كل هذا التاريخ الذي يستذكره السوريون ليؤكدوا أن سوريا أقوى من الحصار والعزل والمؤامرات، كانت سوريا جزءاً من موقع عربي عام ومن شرعية عربية رسمية وشعبية وكانت إلى ذلك تقاوم في مواجهة معركة العرب الأساسية ضد إسرائيل. في تلك المواجهة حضن معظم العالم العربي سوريا، وقادت سوريا حركات شعوب أخرى في لبنان وفلسطين ولم تكن وحدها في المواجهة. حين خرجت مصر من الصراع العربي الإسرائيلي باتفاقية كامب ديفيد قامت جبهة شرقية من لبنان إلى العراق ونشأت «جبهة الصمود والتصدي» من مجموعة عربية كان فيها بقية من توجه عربي ووطني ومن رصيد قومي تمثّل في تعاون العرب خلال حرب 1973. لا يعوّض هذا المعطى العربي دور إيران لوحدها ولا دور روسيا ولا حركات مسلحة قد تتحرك هنا أو هناك لتشاغب على هذا المستجد العربي الذي فوّض القيادة الانتقالية الرسمية لمجلس التعاون الخليجي ولتحالف الممالك في عصر انهيار الجمهوريات. 
غير أن الأساس في الوضع العربي ليس واقع المقارنة بين الجمهوريات والممالك، ولا بين «الاعتدال العربي» و«الممانعة» ولا طبعاً بين دور سوريا الوطني في هذا التاريخ العريق وبين إلغاء هذا الدور. ولا حتى المقارنة بين استقرار الموقع السوري واهتزازه أو تعريضه لكل مخاطر الانقسام الداخلي والهيمنة الخارجية من أي جهة كانت. 
ما هو مهم الآن وما هو واقع لا تغيّره التمنيات أن النظام العربي بكل مفاصله، بدوله ومنظماته الإقليمية وأنظمته الداخلية وعلاقاته الدولية وحركة شعوبه ينتقل إلى وضع آخر وإلى مشهد لم يعد مجرد توقع أو احتمال كما في تونس ومصر وليبيا واليمن، وإلى المزيد من تراكم مشهد التغيير كما حصل في المغرب وكما يحصل في الأردن وبعض دول الخليج. أمام هذه الوقائع لا مكان لأي نظام عربي للاحتفاظ بهيكلته ومؤسساته ووسائل عمله ولا حتى بقواه كما كانت في السابق. 
ما يمكن أن يناقش الآن ويقبل الأخذ والرد هو أي تغيير وبأية قوى ووسائل وبأية حدود وما هي أدوار الداخل والخارج، ونحو أية آفاق وأي نظام يتفق مع طموحات الشعوب أو يعكس حال تطورها. إذا لم ندرك هذه الحقيقة ونذهب كما ذهبت بعض القوى وهي تعيش في الماضي وتحن إليه بحكم المصلحة أو بحكم العاطفة فإن الصورة ستكون قاسية في دراميتها وستكون مأساوية للجهات التي تمارس فعل الاحتجاز لهذا التغيير أو تتصدى له بأي منطق إقليمي أو طائفي أو مصلحي. 
لا يعنينا من ذلك هذا الكاريكاتور اللبناني الذي ينفخ صدر هذه أو تلك من القوى والجهات والتطوع لدعم هذا الطرف أو ذاك في سوريا. هذه «العملقة» اللبنانية المرضية عادت تطل من أكثر من ساحة، وهي جوفاء فعلاً لأن شعب سوريا أكبر وأعظم وأكثر وطنية ووعياً من القوى السياسية اللبنانية الممسوخة بالوباء الطائفي وبالفساد والتبعية. على اللبنانيين أن يحلوا مشكلاتهم بأنفسهم ويتطلعوا إلى داخل حدود بلادهم وأن يتواضعوا كثيراً في مجال الثورات العربية برغم تضحياتهم الكثيرة. وإذا كان من درس عربي لهؤلاء السياسيين اللبنانيين فهو أن جمهرة الناس وتحشيدها ليس دليل عافية دائماً وأن الساحات المنقسمة المستقلة والمنابر المتقابلة لا تصنع وطناً ولا دولة ولا حرية وليست شيئاً في صناعة الشعوب لتاريخها

سليمان تقي الدين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *