الدولة الفلسطينية بين الوهم والحقيقة

الدولة الفلسطينية بين الوهم والحقيقة

أيها العابرون ضمن الكلمات العابرة …
هكذا خاطبهم الشاعر الكبير محمود درويش . .
فالعابر سرعان ما يتابع رحلة العبور, وإن حط َّ الرحال قليلاً سواء كان مُرحباً به حيث حط َّ رحاله أم غير مرغوب به , أما العبرانيون فإنهم من عبروا لمرة واحدة .
وقد عرض الدكتور جواد علي في موسوعته ( تاريخ العرب قبل الإسلام ) تاريخ العبرانيين الحافل بالمآسي , ورجّح أن يكونوا هم السبب وراء ذلك .
أما الدكتور عبد الوهاب المسيري فيرى في موسوعته ( اليهود واليهودية والصهيونية ) أنهم لم يكوّنوا جماعات عضوية متجانسة حيث يقول : ” إن واقع الجماعات اليهودية المركّب غير متجانس , وهو مركّب لا يخضع لقانون عام , ولا ينضوي تحت نمط متكرر واحد ” .
والصهاينة الذين يحتلون أرض فلسطين اليوم هم مزيج من أمم مختلفة , تلقوا ثقافتهم عبر ميثيولوجيا دينية أقرب إلى الخرافة , مشبعة بتعصب عنصري زرعته الصهيونية كمؤسسة سياسية , وتم الدفع بهم إلى هذه المنطقة من قِبل الدول الاستعمارية لخدمة أهدافها .
ومن اللافت أن الدكتور المسيري يرى أنَّ إسرائيل زائلة لا محالة ,وفي حدٍّ أقصى العقد الثالث من هذا القرن , منوهاً أن السبب لن يكون داخلياً وإنما بفعل عوامل خارجية لم يحددها , ولكن لنا أن نضع احتمالاتها :
فهي إما أن تكون عن طريق حرب إقليمية بعد أن تتخلى الدول الاستعمارية عن إسرائيل حين تصبح كلفة الاحتفاظ بها أكبر من مردودها .
أو تكون بفعل حصار اقتصادي قاس ٍ تفرضه معظم دول العالم عليها , كما حدث مع الحكم العنصري في جنوب إفريقيا حتى سقوطه في النصف الثاني من القرن العشرين .
أو تكون بفعل انهيار اقتصادي كبير في العالم , شبيه بانهيار ( وول ستريت ) في أمريكا عام 1929 , ومن ثمّ يتم تحميل اليهود وزر ذلك .
ويبقى هاجس زوال إسرائيل ماثلاً في أذهان الإسرائيليين , وهم يدركون أنهم يماطلون في الزمن ليس إلاّ .
وسنعرض في هذا السياق قصة صحفي مصري التقى في أوربا مع عدد من الأوروبيين كان بينهم إسرائيلي , وطبعاً كان موضوع الشرق الأوسط هو محور النقاش , ولكن سرعان ما حُسمَ النقاش عندما التفت المصري إلى الإسرائيلي سائلاً إياه : ألا تخشون أن نستفيق ؟
فأجابه الإسرائيلي ببرود : عندما تستفيقون سنحزم أمتعتنا ونرحل . !!
كذلك فإن الكثير منـّا يذكر ما قاله وزير حرب العدو موشي ديان عقب حرب ( 67 ) ” أنا لا أخشى العرب إلاّ عندما أراهم يقفون حسب دورهم في مواقف الباصات ”
وسنعود مرة أخرى إلى ما قصده الشاعر بالكلمات العابرة, ومن المرجح أن يكون قد قصد بها ما حفلت به المخيلة الصهيونية من أساطير حول الدولة التوراتية أو كما يسمونها أرض الميعاد , وما حفل به قاموسهم السياسي في التلمود وبرتوكولات حكماء صهيون , وما قيل في مؤتمرهم الصهيوني الأول الذي عقد في مدينة بال السويسرية عام ( 1897 ) .
إن ما قصده الشاعر أن هذه الكلمات عابرة , لا تصلح أن يتخذها العابرون لبناء دولة .
لقد قدَّم الفلسطينيون أروع التضحيات في صراعهم ضد مشروع استيطاني , وكانوا مثالاً للصمود في وجه هذا المشروع, واختلفوا ولا يزالون حول كيفية مجابهته.
حتى الذين اختاروا الكفاح المسلح , عاد الجزء الأكبر منهم ليختار سبلاً سلمية.
صحيح أننا لا نستطيع أن نعيد عقارب الساعة إلى الوراء , ولكن لنا أن نتوقف عند محطات تاريخية هامة , والمفترض أن تقوم مراكز دراسات مستقلة بتقييمها , وعلى سبيل المثال :
عدم المطالبة بدولة فلسطينية في الضفة والقطاع قبل حرب ( 67 ) .
أو جدوى عمليات خطف الطائرات التي حدثت , كذلك العمليات ضد المدنيين الإسرائيليين ؟
أو مدى النفع أو الضرر من الدخول في مستنقع الخلافات العربية مروراً بالحرب الأهلية اللبنانية , إلى تأييد صدام حسين في غزوه للكويت وما ترتب على هذا التأييد من طرد مئات الألوف من الفلسطينيين من الخليج , والذين كانوا بمثابة الشريان الاقتصادي لأهلهم في الضفة والقطاع .
إن عملية المراجعة التاريخية انتهجتها جميع حركات التحرر في العصر الحديث , والهدف منها تصويب الأخطاء .
وقد قال الرئيس عرفات عشية توقيع اتفاق أوسلو 1993 :
” أنا لا أستطيع أن أحارب إسرائيل التي تمتلك 200 قنبلة نووية ” وقد قال هذه الكلمة وهو يرى بأُم عينيه , كيف طرد الفيتناميون أمريكا من بلادهم , كذلك فعل الأفغان حين طردوا الاتحاد السوفييتي, وهما الدولتان العظميان .
ولكن لم يكن يقصد بهذا التصريح حرفية الكلمة بأي حال , وإنما كانت بمثابة مراجعة للنهج الذي انتهجه في العقود الثلاثة السابقة .
ففي مسيرة التحرر من الاستعمار في العصر الحديث , انتهجت بعض الأمم أسلوب الكفاح المسلح , كما أن أمماً أخرى انتهجت الأسلوب السلمي , كما فعل المهاتما غاندي في كفاحه ضد الانكليز حتى نالت الهند استقلالها , أو كما فعل نلسون مانديلا في جنوب إفريقيا .
ولا يستطيع أحد أن يُملي على حركات التحرر مسيرتها , ولكن القضية الفلسطينية هي قضيتنا جميعاً , ومن حقنا أن ندعو إلى مزيد من الحذر عند الإقدام على خطوة مصيرية , مثل ما يحدث الآن في الأمم المتحدة والمتمثل بمحاولة الحصول على اعتراف دولي بدولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران 1967 .
ومن هذه المحاذير :
أن تقوم إسرائيل بعملية ترحيل جماعية (ترانسفير ) لعرب ( 48 ) نحو الدولة الوليدة .
أو تتنصل إسرائيل من حق العودة لفلسطينيي الشتات , لتقول لهم : اذهبوا إلى دولتكم الوليدة .
أو تماطل في إزالة المستوطنات الكبرى وتتركها مع وضع القدس الشرقية إلى مفاوضات مارثونية تريد لها أن تستمر عقوداً .
أو تجرد هذه الدولة من مقومات السيادة , فتصبح شبيهة بمقاطعة تتمتع بحكم ذاتي .
ولكن إن استطاع الرئيس عباس أن يتلافى هذه النقاط بالتعاون مع الرباعية الدولية ويحصل على هذه الدولة , فإنه سيكون قد قام بإنجاز عظيم يخلده التاريخ عليه .
غير أن العارف بالعقلية الإسرائيلية , ومساندة أمريكا غير المحدود لإسرائيل , يدرك استحالة الحصول على تلك الدولة في مجلس الأمن , أقصى ما يمكن حدوثه هو الاعتراف بدولة فلسطينية مراقبة , وهذا لن يحدث طبعاً إلاّ في الجمعية العامة للأمم المتحدة , ولكن ليس هذا العام , وإنما العام القادم . عندها سيخرج الرئيس الأمريكي أوباما متبجحاً بأنه صاحب هذا الإنجاز , كي يستثمر ذلك في انتخاباته الرئاسية .
إن الرئيس عباس لم يكن ليذهب إلى الأمم المتحدة لولا ضوء أخضر من عواصم فاعلة .
فالسعودية أعلنت تأييدها لهذه الخطوة , وأبدت استعدادها لتقديم الدعم المالي , وهي التي أحجمت عن تقديم دعم مالي هام لشعبنا المحاصر في قطاع غزة .
كذلك فإن تركيا التي تحاول أن تجيّر هذا الربيع العربي لصالحها , قد سارعت للإعلان عن تأييدها .
إن ما يثير الخشية هو توقيت هذا التحرك وسط هذا الغبار الكثيف الذي يكتنف المنطقة , ووسط هذا الشلل للدور العربي , فكل دولة عربية ملهية بشؤونها الداخلية , وهذا ما أتاح للدور التركي أن يتنامى , بحيث يريدون لنا أن ندخل تحت مظلة عثمانية جديدة .
وطبعاً القضية الفلسطينية مدخل هام لهم , بالإضافة إلى المدخل الديني .
لذا يجب أن يتنادى الفلسطينيون لعقد مؤتمر وطني يجمع كافة أطيافهم السياسية , ويضم جميع مكوناتهم في الداخل والخارج وأن يعودوا إلى حاضنتهم العربية .
إن هذا الصراع وجودي , لا يمكن أن يُحسم إلاّ بإزالة إسرائيل وقيام الدولة الفلسطينية على كامل التراب الفلسطيني .
وعندما نقول بإزالة إسرائيل فإن المقصود به هو تفكيك المشروع الاستيطاني الصهيوني , وإزالة المؤسسة العسكرية الصهيونية , وعودة الحق لأهله .
وحتماً عندها سيرحل الكثير من الصهاينة , ولكن من يود البقاء فهو مرحب به ضمن دولة تعددية علمانية , تنتمي إلى محيطها العربي .
إن من يحاول أن يصور أن إسرائيل لا تُقهر , وأنها تمتلك ذمام القرار السياسي والاقتصادي في معظم أرجاء العالم , وفي أمريكا على وجه خاص , إنما يحاول بذلك أن يقول لنا : إن من العبث مجابهة إسرائيل , والطريق الوحيد المتاح لنا هو أن نستسلم لمشيئتها .
إن الشعب الفلسطيني العظيم , الذي ضحّى بالغالي والنفيس في سبيل قضيته العادلة , لا يمكن أن يُهزم .
كيف يُهزم شعبٌ خرج منه محمود درويش وسميح القاسم وأدوارد سعيد وناجي العلي وغسان كنفاني , وألوف غيرهم من المبدعين ؟؟
إن َّ القضية الفلسطينية هي قضية العرب الأولى , قدَّموا لها الكثير , ومن واجبهم أن يقدموا لها أكثر .
وكانت في وجدان قادة عرب مخلصين لها ومضحين في سبيلها . فالملك السعودي الراحل فيصل بن عبد العزيز قال بعد هزيمة 67 : ” لا أود أن أموت قبل أن أصلّي في القدس ” .
والرئيس الراحل جمال عبد الناصر كان يردد دائماً بعد هزيمة 67 : ” ما أُخذ بالقوة , لا يُسترد إلاّ بالقوة ” .
والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات , كان يردد أيضاً : ” القدس عاصمة دولة فلسطين , شاء من شاء , وأبى من أبى ” .
وحسب رأي العارفين ببواطن الأمور , فإن مضامين هذه العبارات , قد تكون خلف تصفية هؤلاء القادة .
أما في سوريا , فإن فلسطين هي في ضمير كل سوري , وما قاله الرئيس الراحل حافظ الأسد في إحدى خطبه : ” إن فلسطين هي الجزء الجنوبي من سوريا ” . إنـّما يعبر عن ضميره وضمير الشعب السوري .
وإنَّ استهداف سوريا الآن بلحمتها الوطنية , وبكينونتها كدولة , ما هو إلاّ عقاب لهذا الشعب لتمسكه بالقضية الفلسطينية .
وقد دفع المفكر القومي الاجتماعي أنطون سعادة حياته ثمناً لقناعته بأن فلسطين هي جزء لا يتجزأ من الهلال الخصيب ( فقد انتهت أنفاس الرجل في ظروف تجمع بين المأساة والملهاة ) على حد تعبير المفكر والباحث الياس مرقص .
كم بكى الشاعر العراقي مظفر النواب عندما كان يلقي قصيدته ( القدس عروس عروبتكم ) بعد هزيمة 67 ؟ وكم أبكى معه الملايين ؟ .
إننا لا نزال نبكي , ولكننا كنـّا عبر التاريخ كطائر الفينيق , وها نحن ذا ننبعث من الرماد كما كنـّا نفعل دوماً , لنشيد صرحاً حضارياً جديداً , ولنطرد الغزاة من أرضنا .
ألم يقل كارل ماركس : ” الشعوب تصنع تاريخها بنفسها وفق قوانين علمية موضوعية , تركها لهم أباؤهم وأجدادهم ” .
وها نحن نصنع التاريخ من جديد وصورة صلاح الدين الأيوبي ماثلة في أذهاننا وهو يفتح القدس؟ .
وصورة الخليفة عمر بن الخطاب وهو يدخل القدس مسالماً ومُؤاخياً بين المسيحية والإسلام , بعد أن سلمه أهلها مفاتيح مدينتهم طوعاً .
وقد كتب لهم ما عُرف في التاريخ ( العهدة العمرية ) والتي تعهّد فيها بأن تصان كنائسهم وصلبانهم , وأن تكون لهم حرية ممارسة عقيدتهم , وأن لا يُضاموا , وأن لا يدخل إلى إيلياء يهودي .
وعندما دعوه كي يصلي في كنيسة القيامة , فإنه أبى ذلك , وقال لهم : ” أخشى أن يتخذها المسلمون من بعدي مسجداً ” .
فيا لهذا الرجل !!
ويا لهذا التسامح الديني الحضاري !!

نديم الخطيب – سوريا –
نشرت في جريدة الوطن السورية بتاريخ 16-10-2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *