المؤامرة والربيع العربي

لو عُدنا إلى قواميس اللغة العربية لنبحث عن معنى كلمة «مؤامرة» لوجدنا أن المعنى الأكثر استخداماً هو «التشاور»، وقد يكون من نتاج هذا التشاور فعل شريرٌ أو فعل خيرٌ يقوم به المؤتمرون أو «المتآمرون» تجاه الغير. ولكن كثر في القرن العشرين عند تصادم الأيديولوجيات الكبرى استخدام كلمة مؤامرة. والمقصود بها في المصطلح السياسي أن تقوم جماعة أو دولة وفي الخفاء بالتخطيط لفعل شرير ضد طرف آخر. واستكمالاً لهذا المفهوم فإنها تُستخدم لتوصيف الآلية أو الأدوات التي تسلكها تلك الجماعات أو الدول لتنفيذ إستراتيجية رسمتها، والانتقال بها إلى مرحلة التنفيذ. ومن المؤكد أن يكون جزء من هذه الاستراتيجية «أو كلها» غير معلن، ووسائل تنفيذها غير معلنة، منها شرعيٌ حسب القانون الدولي، ومنها غير شرعي أو أخلاقي. والدول التي ترسم استراتيجية لنفسها في عصرنا الحديث هي دول ذات مؤسسات انبثقت عبر آلية ديمقراطية.

فإذا فشلت هذه الإستراتيجية أو تعثرت، فإنه توجد آلية لتصحيح مسارها، والدول الكبرى تكون عادةً قادرة على احتواء الفشل تلو الفشل، وإن كان سيؤدي في المدى البعيد إلى انحسار دورها.
عكس الدول الصغرى التي لا تحتمل فشلاً لمرة واحدةً، لأنه قد يؤدي إلى كارثة تحيق بها.
أما في الدول ذات الحكم الفردي، فإن الحاكم الفرد هو الذي يرسم إستراتيجية تلك الدولة، سواء شاور معاونيه دون أن يكون لهم دور في اتخاذ القرار، أو لم يشاورهم.
وعلى الأغلب تتقلب هذه الإستراتيجية مع تقلب مزاجه الشخصي، أو مع العُقد التي تَحكمه، وتخضع في كثير من الأحيان إلى الضغوط الداخلية أو الخارجية.
فإذا كان الحاكم فذاً استطاع أن يرسم إستراتيجية تنهض ببلده داخلياً وخارجياً، كما فعل محمد علي باشا عندما تولى الحكم في مصر مطلع القرن التاسع عشر.
أو قد يعيد بلده إلى العصر الحجري، كما فعل صدام حسين في العراق.
وفي خضم هذا الحراك الواسع فيما يُسمّى الربيع العربي، كثر الحديث عن المؤامرة.
ولكن لا يستطيع أحد أن يقول: إن «محمد بوعزيزي» في تونس أحرق نفسه لأنه جزء من المؤامرة.
ولا أن يقول إن من خرج يتظاهر سلمياً في جميع الدول العربية هم جزء من المؤامرة.
إنهم بلا شك خرجوا ليطالبوا بحقوق لهم اقتصادية واجتماعية وسياسية أسوة بالدول المتقدمة.
رغم عهود من الظلم والقهر عاشوها هم وآباؤهم وأجدادهم منذ قرون.
ومن الطبيعي أن تتدخل جميع القوى الفاعلة الإقليمية والدولية لتستثمر هذا الحراك كلٌ حسب مصلحته.
وهذا التدخل يتم عبر ضغوطات اقتصادية أو ميديا إعلامية أو اغتيال سياسي أو جيش من المريدين أو العملاء، وقد يصل الأمر إلى حد التدخل العسكري، وهي في كل ذلك تريد أن تحرف المطالب الشعبية عن مسارها وتحقق إستراتيجيتها المرسومة.
ولكن هذه الدول مهما أوتيت من قوة فإن إرادة الشعوب هي الأقوى، ولا بد أن تصل الشعوب إلى مبتغاها في نهاية المطاف.
ومن المفيد أن نلقي الضوء على بعض الوسائل التي استخدمتها بعض الدول لتنفيذ سياستها.
فالولايات المتحدة الأميركية طرحت عدة مفاهيم أو مبادئ لتنفيذ إستراتيجيتها في العالم، وهي الآن تستخدمها في منطقتنا ومن هذه المفاهيم والمبادئ:
ملء الفراغ – مشروع مارشال- اضرب الحديد وهو حامٍ- الفوضى الخلاقة- الاحتواء المزدوج- الشرق الأوسط الجديد.
وسنحاول أن نستعرضها بإيجاز:
فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية تقدم وزير خارجية أميركا جورج مارشال بخطة لإنعاش أوروبا عُرفت باسمه فيما بعد، والتي تهدف إلى تقديم مساعدات مالية ضخمة لإعادة إعمار أوروبا الغربية، وذلك خوفاً من التغلغل الشيوعي فيها، واليوم تُقدّم الدول العربية النفطية مبالغ باهظة لشعوبها أو لدعم بعضها بعضاً بهدف امتصاص نقمة تلك الشعوب ومنع أي حراك شعبي يماثل ما يجري في الدول العربية الأخرى.
أما هنري كيسنجر وزير خارجية أميركا الأسبق الذي يُنظر إليه كأحد أهم السياسيين الذين مروا على تاريخ الولايات المتحدة فإنه استخدم مبدأ «اضرب الحديد وهو حامٍ» وأول تطبيق عملي لهذا المبدأ كان حرب 1973 فقد كان من المستحيل الوصول إلى سلام بين مصر وإسرائيل في ظل هزيمة منكرة تعيشها مصر. وقد عبّر الرئيس الراحل أنور السادات عن ذلك في إحدى خطبه عقب تلك الحرب بقوله: «أنا لا أخوض الحرب من أجل تحرير الأرض، بل من أجل تحريك القضية».
ولكن هذا لا ينتقص من البطولات الرائعة والتضحيات العظيمة التي قدمها الجيش المصري والجيش السوري والجيوش العربية.
ثم استُخدم هذا المبدأ مرة أخرى عند حرب تحرير الكويت 1991 لتستغله أميركا في فرض وجود عسكري دائم لها في دول النفط.
والآن نراها تطبّق هذا المبدأ من جديد في استغلال هذا الربيع العربي لتضع يدها هنا أو هناك.
كما أن كيسنجر له مبدأ ثان هو «الفائض الجغرافي» الذي أطلقه عشية الحرب الأهلية اللبنانية 1975-1989 فقد رأى أن لبنان ما هو إلا فائض جغرافي يجب أن يذهب جنوبه لإقامة الدولة الفلسطينية وبالتالي تصفيتها.
أما شماله فيجب أن يلتحق بسورية، والمسيحيون ليس لهم سوى الرحيل.
ويومها أفشلت سورية هذا المشروع.
أما اليوم فنرى أن السودان قد تم التعامل معه وفق هذا المبدأ، والعراق يعاملونه ضمنياً كذلك.
أما ليبيا فهي فائض اقتصادي تتوزعه دول الناتو.
ولكن سورية لا يمكن أن تكون فائضاً جغرافياً كما يحلم البعض، لأنه أن حدث ذلك فإن كلَّ المنطقة ذاهبة إلى الضياع.
كما استخدم الأميركيون مبدأ «الاحتواء المزدوج» والمقصود به احتواء إيران والعراق بعد حرب تحرير الكويت 1991 حتى سقوط بغداد 2003 وهما الدولتان المارقتان في نظرها في ذلك الوقت.
أما الآن فإن هذا المبدأ سيستخدَم لاحتواء ثلاث دول إقليمية مؤثرة هي «إيران وتركيا وإسرائيل» بحيث يتم تحجيم دورها كي لا تصل إلى مرحلة الاستغناء عن الدور الأميركي في المنطقة.
أما أيزنهاور فقد استخدم مبدأ «ملء الفراغ» عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، والمقصود به أن تملأ الولايات المتحدة الأميركية الفراغ الناشئ عن خروج الإنكليز والفرنسيين من منطقة الشرق الأوسط.
واليوم يُستخدم هذا الاصطلاح لملء الفراغ الأيديلوجي الذي خلَّفه سقوط مفاهيم كبرى مثل الماركسية والقومية.
كما أن إلقاء جثة أسامة بن لادن في البحر لها رمزيتها الخاصة في نهاية حقبة التطرف الديني.
لذا نجد أن الفكر الليبرالي الغربي هو البديل المرشح لملء هذا الفراغ إلى جانب الإسلام المعتدل، والنموذج التركي جاهز أن يُحتذى به.
أما مبدأ «الفوضى الخلاقة» الذي أطلقته وزيرة خارجية أميركا السابقة كوندا ليزا رايس عقب اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري عام 2005 فإنها لم تخترع هذا الاصطلاح، وإنما هو مُستمدٌ من نظرية علمية ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين اسمها «الفوضى المنظمة» ولا بأس إن ألقينا الضوء على تلك النظرية.
وملخصها أنه توجد فوضى في الكون، ولكن هذه الفوضى منظمة، حيث لا يمكن رصد جزئيات هذه الفوضى، ولكن يمكن التنبؤ بسقوفها.
وعلى سبيل المثال: إذا نَفثتَ الهواء في بالون ثم تركته حراً فإنه سيتحرك عشوائياً في الفضاء المحيط بك إلى أن يفرغ الهواء منه، ولا يمكن التنبؤ بمسار حركته، أي لا يمكن وضع معادلات رياضية تحدد ذلك المسار، ولكن لحركته مدى أفقي ورأسي لا يمكن تجاوزه مهما كررت التجربة.
هذا المبدأ استخدمته السيدة رايس في الشرق الأوسط.
كيف؟.. ومتى؟ هذا متروك للزمن…
والآن يعاد استخدام هذا المبدأ، ولكن كيف؟ وأين؟ ولأي مدى؟
هذه الأسئلة يجب أن يجيب عنها العقلاء في هذه المنطقة، لأن الإجابة عنها تجنبنا الكثير.. الكثير من الجهد الضائع، ومن التضحيات الكبيرة.
أما مبدأ «الشرق الأوسط الكبير» فقد أطلقته أميركا عقب انتهاء الحرب الباردة بالتزامن مع مؤتمر السلام في مدريد 1991 والذي كان يهدف إلى وضع الدول العربية بالإضافة إلى إسرائيل وتركيا ضمن سوق اقتصادية وسياسية واحدة تحت إشراف أميركي.
ولكن الفشل الذريع الذي مُنيت به أميركا في العراق وأفغانستان والرفض السوري مع فصائل عربية لا تزال ترفع راية المقاومة، كلُّ ذلك جعل أميركا تعدل عن هذا المشروع وتحوله إلى مشروع «الشرق الأوسط الجديد»، وهو يهدف إلى إحداث تغيرات في الصيغة السياسية داخل كل دولة على حدة.
فالحكام الذين استُهلكوا لابد من إزاحتهم أو تثبيتهم على أن يدفعوا فاتورة ذلك.
وآخرون يجب تطويع أنظمتهم بحيث تنسجم مع سياسة الغرب.
أما بالنسبة للدور التركي، فلنا أن نتساءل:
هل تم التوافق الإستراتيجي بين كل من تركيا وأميركا وإسرائيل على أن تُوكل القضية الفلسطينية إلى تركيا ومن ثم يتم تصفيتها وفق مصالح هذه الدول الثلاث؟
وهل حادثة السفينة «مرمره» كانت مرتبة؟
والتصعيد الحالي بين تركيا وإسرائيل مرتب؟ بحيث توحي تركيا بأنها ابتعدت عن إسرائيل وفكت حلفها الإستراتيجي معها كي تصبح مهيأةً لحمل القضية الفلسطينية؟
فهل يقبل الفلسطينيون ذلك؟ وهم الذين رفضوا عشية مؤتمر السلام في مدريد أن يشكلوا وفداً مشتركاً مع سورية والأردن ولبنان، لأنهم كانوا يخشون من الحلم السوري بالهلال الخصيب، ولم يكونوا مستعدين لذلك، فذهبوا إلى أوسلو منفردين؟
ويحق لنا أن نتساءل: هل هذا الغبار الكثيف الذي يُثار في المنطقة كله حقيقي؟ أم أن له دوراً في التغطية على حلٍ ما، حلٍ مشبوه لتصفية القضية الفلسطينية، وتثبيت وجود ما عسكري وسياسي لأميركا في العراق، بعد الانسحاب المعلن عنه في نهاية 2011؟
ألم يكن أحد أهداف الحرب الأهلية اللبنانية 1975 هو التغطية على كامب ديفيد 1978؟
وما يثير لدينا الكثير من الغرابة، هو ازدواجية المعايير للدول الغربية التي تدّعي أنها تدعم الشعوب العربية!!
فتراها تقتل شعبنا في العراق، وتدعم الصهاينة في قتل شعبنا في فلسطين، وتدعم الأنظمة العربية الملكية، رغم أن مطالب شعوبها جدُّ متواضعة.
ففي الدول ذات الملكيات المطلقة، طالب الشعب بملكيات برلمانية.
وفي الدول ذات الملكيات البرلمانية، طالب الشعب بملكيات دستورية.
ولكن تم التعتيم على حراك هذه الشعوب، وكأنها ليست من دول المنطقة؟ ولم تهب عليها رياح الربيع العربي؟
هذا لا يعفينا من أن نقوم بمصالحة شاملة بين جميع فرقاء المجتمع في كل دولة من دولنا، وأن نعتمد لغة الحوار والمنطق، وأن نقدم التنازلات لبعضنا البعض في سبيل بناء الدولة العصرية.
نحن في هذه المنطقة من العالم نمد يدنا بالصداقة لجميع دول العالم ما عدا إسرائيل التي تغتصب حقوقنا.
ولكن نرفض أن نكون تابعين أو مُهمشين.

نديم الخطيب ,الوطن

المؤامرة والربيع العربي” comment for

  1. سرد حقائقي لموضوع المؤامرة وتداعياته, هناك الفشل العربي , فعلى من يجب القاء اللوم , بالتأكيد ليس على الغرب أو الشرق , وانما على العرب وحكامهم , ولما لاعلاقة للشعوب العربية حتى الآن بمصيرها , وهذا المصير هو بيد الديتاتوريات المزمنة, لذا يجب تحميل الديتاتوريات مسؤولية التردي العربي , وكيف يمكن تحميل الديكتاتوريات هذه المسؤولية ؟؟؟.
    ادنى مستويات الشعور بالمسؤولية هو الرحيل ..ولما لايريد هؤلاء الزعماء الرحيل , فيجب ترحيلم , وعندما لايتم ذلك بالحسنى , فيجب أن يتم قسرا , وهكذا نجد في طيف الربيع العربي مختلف المكونات ..منها مكون العنف , ومنها مكون السلم ,منها مكون الصمت ,منها مكون السلبية ..الخ , كل هذه المكونات تجتمع في اتفاقها على ضرورة هذا الربيع , وتختلف هذه المكونات في السبل التيتمكنها من تحقيق هذا الربيع .
    تفضلت يا أستاذ نديم بالقول ,ان صدام اعاد العراق الى عصر الحجر , ولي سؤال ..هل فعلت بقية الا،ظمة العربية شبيها لما فعله صدام ,أخص هنا النظام الليبي والسوري واليمني وغيرهم أيضا ,..هل وقوف سورية الآن على مشارف حرب أهلية وفي ظل عزلة دولية لامثيل لها,رازحة تحت عقوبات فظيعة ومهددة بما هو أفظع ؟, ليس الطريق الى عصر الحجر ؟, ومن هو المسؤول عن تمهيد هذا الطريق ؟؟وكيف الحل ؟؟؟أخشى ان يكون الطريق الى الحجر شبه قدري , وأخشى أن لايتوفر أي حل لتفادي الانهيار , ومن سينهار هو الدولة السورية , ولا خوف على رجال السلطة من الموت جوعا أو عطشا ..فرفعت الأسد لايعاني من الجوع , وكذلك عبد الحليم خدام ..والموجود من هؤلاء الرجال في سورية يستطيع الانتقال فورا الى المصايف الأندلسية والفيلات اللندنية ..لاخوف عليهم ولا هم يحزنزن ..أولياء الله

Leave a Reply to nesrin abboud Cancel reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *