علمانية الدولة السورية: خيار أم ضرورة؟

وسورية تخرج من عنق الزجاجة التي أريد لها أن تنفجر داخلها, لا أن تخرج منها, تجد نفسها مجتمعاً ونظاماً, شرائح وطبقات, وجماعات أهلية .. أحزاباً ومثقفين مستقلين, وتكنوقراط.. الخ أمام استحقاق الحوار الوطني.. حوار لا ُيستثنى منه سوى التكفيريين, ومن وضع نفسه في خدمة أجندة خارجية. ومن أحيل إلى القضاء المدني بجرائم قتل أو تدمير أو تآمر.. حوار يتولى رعايته السيد رئيس الجمهورية. و ينتظم في قنوات ومؤسسات تتولى استخراج الخطوط العريضة لإصلاح سياسي يزيح المعوقات من درب إصلاحات أوسع تطال الاقتصاد والتعليم والثقافة والإدارة.. الخ … وتشكل نتائجه خارطة طريق لعملية تحول سلمي وتدريجي إلى دولة مدنية لمواطنات ومواطنين أحرار. متساوين بالحقوق والواجبات أمام القانون.. ومحكومة بدستور علماني يفصل بين السياسة والدين. ويعيد ولاءات ما قبل الدولة: الدينية والطائفية والإثنية والعشائرية إلى بوتقة الانصهار الوطني..
الوطنية الصادقة التي أظهرتها قطاعات من شعبنا, في مجرى أزمة سياسية أراد لها مثلث التآمر: الأمريكي –الصهيوني –الوهابي أن تأخذ آخر قلاع العروبة من الداخل. كي يسهل عليها إعادة رسم الخارطة المحيطة بإسرائيل بما يتوافق وأجندة هذه الأخيرة في البقاء كدولة دينية لليهود تتموضع في موقع العقدة المتحكمة بما يتناسل حولها من دويلات دينية تتفتت إليها القوميات الكبرى الثلاث المتجاورة تاريخياً: العربية والتركية والفارسية..
إن ما تتكشف عنه العواصف في العالم العربي – الإسلامي يؤكد بما لا يقبل الشك أن الصهيونية والوهابية فرسا الرهان الأمريكي للبقاء على رأس العالم. الأولى كحاملة طائرات لا تغرق, وكأداة مشاغلة لحركات النهوض القومي والوطني لمجتمعات المنطقة العربية –الإسلامية .والثانية كمكروب يضرب العقل الجمعي للمسلمين جندت لنقل عدواه أعظم ثروة باطنية ظهرت على وجه البسيطة..
إن ما ضخته الوهابية في الإسلام الوسطي السوري من تعصب قد حصدنا نتائجه:دما مراقاً في غير موضعه, وضغائن تحتاج لحكمة ووقت كي تبددها الذاكرة الجمعية لمجتمعنا الأهلي.. ولا ينفعنا الاختباء وراء الإصبع والتشدق بالمحفوظات الأيديولوجية. لإخفاء مشهد يخرز العين بواقعيته. مشهد طفا على سطحه انحيازنا إلى ولاءات ما قبل الدولة. فأصبحنا نرى الأمارات الوهابية التي تقام في زوا ريب المدن والبلدات أثماناً يمكن تحملها كضريبة للتحول الديمقراطي السوري. وأصبح القناصة على أسطح المنازل الوافدون من أفغانستان والباكستان والسعودية وباقي أنحاء العالم الإسلامي “المتمدن “مقاتلين أمميين من أجل الحرية…
العلمانية أيها الإخوة إن كانت خياراً عند غيرنا, فهي ضرورة لتنوعنا, وقارب نجاة لنا من عواصف تثيرها في وجه انتمائنا الوطني إنقساماتنا العمودية.. والعلمانية ممارسة في القول والعمل لا” بخة اسبريه “على عفن ولاآتنا الدينية والطائفية التي تعيق عبورنا من دولة الرعية إلى دولة المواطنة.
كفا تراشقاً بالاتهامات. المشهد السوري لا يحتمل ذلك .فليس نظامنا السياسي الذي نريد إصلاحه, هو المستهدف فقط. بل الدولة السورية بتماسك بنيتها السسيولوجية, وبتموضعها على مفترق طرق بين الماضي والمستقبل, هي المستهدفة. لنسترد مصيرنا من أقبية الاستخبارات الدولية والإقليمية. ولنمسك أعنة مستقبلنا بأيدينا . بيتنا السوري سنعيد تأثيثه بدون تدخل الوهابيين القتلة, ومن يقف ورائهم من دوائر استخبارات ومراكز أبحاث إستراتيجية أمريكية ترى في الوهابية كما في الصهيونية أفضل الأدوات للإمساك بمصائر شعوب ومجتمعات القوس الإسلامي: الأفريقي –الآسيوي. كل ذلك لإحكام الحصار على روسيا والصين بورقتي النفط والإرهاب الوهابي. أيها العلمانيون السوريون على مختلف انتماآتكم الأيديولوجية: قوميون وشيوعيون وليبراليون وإسلاميون مستنيرون. خذوا المستقبل بأيديكم واقطعوا الطريق على الفتنة التي أوقدتها الوهابية تحت مجتمعنا الأهلي. هذه مسؤوليتكم نضعها أمام ضمائركم. فلا يزيغن أحد متأولاً لنص… وليكن موقفكم على قدمين من عقل وضمير.
مقاصد الحوار الوطني:
استعادة الثقة المتبادلة بين مكونات المجتمع الأهلي التي ألحق بها التكفيريون أضراراً فادحة.. يستطيع المجتمع المدني أن يتعافى بسرعة من الرضوض النفسية التي ألحقها التكفيريون بلحمته الوطنية. لكن للمجتمع الأهلي عزم عطالة يحتاج إلى وقت إضافي لكي تتلاشى ردات فعله.. بسبب ما امتصته مكوناته من استفزازات….
الاتفاق على صيغ عملية لإجراء إصلاح سياسي عميق يكرس التداول السلمي للسلطة وينظم التنافس السياسي بين أحزاب عابرة للانقسامات العمودية تعكس في برامجها وحدة وصراع المصالح التي تترتب وفقها الشرائح المكونة للمجتمع السوري..
الاتفاق على برنامج زمني لمرحلة انتقالية كافية –زمنياً – لامتصاص المخاوف التي أثارتها طبول الفتنة الوهابية وتكليف الجيش كمؤسسة وطنية حديثة: بمهمة الدفاع عن الطابع العلماني للدولة. ولحظ ذلك كمادة في الدستور لا يمكن لأكثرية برلمانية شطبها أو تعديلها كما يحصل لجارتنا تركيا .
يجب أن نعترف بأن المجتمع المدني كحامل سسيولوجي للدولة المدنية قد تقلص بسبب خنق الأشكال الحديثة للاحتجاج السياسي “الأحزاب والنقابات المدنية” مما أدى إلى هجرة الاحتجاج السياسي إلى الطوائف المكونة للمجتمع الأهلي .و أعاد الطوائف ككيانات ثقافية موروثة إلى ما كانت عليه تاريخياً :أحزابا سياسية/دينية تتنافس على السلطة في منا خ عقلي يستحضر السماء في كل شاردة وواردة..
لا يمكن استبعاد المجتمع الأهلي من الحوار. لكن تصوراً لدولة مدنية لا يمكن أن يولد من حوار النظام مع المجتمع الأهلي. إن قاطرة التحولات إلى الدولة المدنية لا يمكن أن تولد خارج المجتمع المدني وخارج ما تبقى من أشكال العمل السياسي المولودة في حضنه. ولذلك فإن حواراً تستثنى منه هذه الأخيرة. سيكون مناورة على الأزمة لا محاولة للخروج منها..
ليست الإصطفافات العمودية التي تزداد عمقاً إلا التحضيرات النهائية لتداعي الدولة كحاضنة تتذ اوب فيها مكونات ما قبلها. الدولة التي تعبر بالمجتمع السوري منطقة المياه العكرة التي يتعاون على الصيد فيها المثلث الإستراتيجي: الولايات المتحدة الأمريكية –إسرائيل – السعودية..
لاإنفكاك بين العلمانية والتحول الديمقراطي .فالأولى حاضنة الثاني وبوصلته لعدم الإنحراف إلى الصيغة اللبنانية. حيث الديمقراطية إستراحة حرب لأمراء الطوائف..

سامي العباس,فينكس

علمانية الدولة السورية: خيار أم ضرورة؟” comment for

  1. ولم يسمع الأستاذ سامي العباس دوي الانفجار, وبكل حزن أقول ,ان سوريا لم تخرج لحد الآن من عنق الزجاجة , وماقاله الأستاذ بلغته الرشيقة جميل وجيد ..وصحيح بمجمله , وللتفاؤل حسنات ..وسيئات , أخشى في هذه الحالة طغيان السيئات على الحسنات , أن نظن الآن ,ان الطريق الآن معبد ونستطيع السير الى الديموقراطية والحرية , فهذا من أكبر الأوهام …اذا تم تخريب البلاد في أربعين سنة ,فتحتاج السلطة على الأقل الى ثمانين سنة للاصلاح ..هذا اذا استطاعت , وسوف لن تستطيع ..أقول هذا وفي قلبي الكثير من الحزن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *