السراب والخراب..المادة الثامنة !

لاشك في كارثية المادة الثامنة من الدستور السوري , التي تؤكد قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع , ولا شك في كون هذه المادة لاتشكل مكتسبا ايجابيا  للحزب والدولة والمجتمع , ومن الضروري الغائها, وللالغاء عدة أشكال  فهناك الالغاء الفعلي  وهناك الالغاء الشكلي , والالغاء الشكلي يعني استمرار  الوضع عمليا كما هو الآن ..تسلط  وعدم مساواة , والمادة  الثامنة التي تخرج عندئذ من الباب  ,تدخل من الشباك , والعودة من الشباك  ستترافق مع احتياطي  ووقائي أكبر من التسلط والفوقية,  بحيث يتناسب  كم التسلط مع الرغبة القمعية للسلطة , ومع الاستمرار في استثمار  المزرعة ,  ولا أظن انه يوجد عند السلطة أي رادع يمنعها من الاستمرار  في منهجيتها السابقة والحالية , ولو  كان هذا الرادع موجودا  , لنفذت  شيئا من مشاريع الاصلاح   , التي تطبل وتزمر لها منذ عشرات السنين , والفعل الاصلاحي بقي غائب.

لو نظرنا الى التراث الحزبي البنيوي للبعث العربي الاشتراكي  في الستين سنة السابقة  تقريبا , لوجدنا  انه للحزب على الأقل تراثان  , تراث العقد الأول ,الذي  تميز بالنشوة القومية , وهذا التراث  هو  بشكل عام  ليس هدفا للنقد الشديد ,حيث تميزت  منهجيات الحزب  في هذا العقد بالكثير من الاستقامة , التراث الثاني هو تراث نصف القرن الأخير, الذي تميز  بالتنكص المتسارع   باتجاه الاستغلال الطائفي واخيرا باللجوء الى العشائرية ثم العائلية ..وأخيرا الفرد فقط ..مرورا بمحطات تتسم بالتقلب في  في صناعة الأحلاف, التي تطورت الى صناعة واضحة المعالم  ..امتياز مقابل ولاء , وهكذا نجد ان تقديم الولاء للسلطة لاينحصر بطائفة واحدة , والسلطة تستغل هذه الطائفة وغيرها أيضا , ولا تمانع من التعامل مع البوطي أو  حتى مع الشيطان, بشرط ممارسة الولاء , الذي يمارسه البوطي بامتياز .

السنين الخمسين الأخيرة تتميز بشكل واضح عن السنين العشرة الأولى  من عمر الحزب , والحزب تحول الى شكله الذي نعرفه  الآن ,كنتيجة منطقية حتمية للفشل  في تحقيق أي تقدم في مشاريع وشعارات الحزب حول الوحدة والحرية والاشتراكية ..فلا وحدة ..ولا حرية ..ولا اشتراكية , وفي ظل هذا الفشل  خضع الحزب لآلية تطورية تحكمت بها غريزة حب البقاء  ,ومن  أحب الوحدة  والحرية والاشتراكية  فعلا , هجر الحزب , الذي   فشل فشلا ذريعا في تحقيق هذه الشعارات , ..ازدادت الهجرة  والتهجير وحتى التقتيل والتصفيات الجسدية ,ففي  إنتخابات سنة 1955 للمؤتمر القطري كانوا يقولون عفلق جاسوس إنجليى والحورانى فرنسي والبيطار عميل لأكثر من دولة, وبحق  عفلق  صدر حكم بالاعدام , وجرت تصفية البيطار في فرنسا  , والفراغ الذي  حصل  تطلب  ايجاد كوادرجديدة , فعلى  أرضية الفشل  زحف جيش من  الزبائن الجدد , وهؤلاء كانوا من صنف الزبانية  ..الحزب تحول الى  تجمع لأهل الامتيازات اللاقانونية , وأهل الامتيازات كانوابشكل رئيسي من طائفة واحدة .وأهمهم أصبح من عائلة واحدة,وأخيرا من بيت واحد .

القصد من الحيث عن تحول الحزب الى  جماعة الامتيازات والسرقات  , في ظل المادة الثامنة  ذو مأرب معين , والمأرب هو البرهان على استحالة الغاء المادة الثامنة  ,فالجماعة التي لاترى الا الامتيازات المادية , والتي  تسمح لها المادة الثامنة بالسرقات , ادمنت عليها بعد أن تناولتها نصف قرن كامل , وبذلك سوف  لن تستطيع التخلي عنها بأي شكل   …فالاصلاح   المترافق مع بناء  سلطة  قضائية مستقلة نزيهة  قاتل لأصحاب الامتيازات ..وخسارة المعارك التي تدور الآن على مستوى متدني  قاتل  لأصحاب الامتيازات  ,  تطور الحرب الأهلية من مستواها المتدني  الآن الى مستوى أعلى, قد يقود الى تمديد حياة السلطة  ..لذا نرى ان السلطة تتجه بهذا الاتجاه , خاصة وان السلطة  جهزت نفسها , ومنذ زمن بعيد لواقعة من هذا النوع ..جيش مطيع   وأجهزة أمنية  مطيعة ,على أرضية تعطيل القضاء  , والقضاء على  الحياة السياسية  والنقابية  ثم  التحالف مع مصالح  رجال  الدين   وبعض  التجار ,فالسلطة  تعرف تماما  , على أنه ليس بالامكان ازالتها الا عن طريق حرب أهلية مدوية لامثيل لها في تاريخ سورية , ومدعومة بتدخل خارجي   ,ولهذا الخيار نتائج تدميرية للوطن ,والمواطن العاقل  المتعقل والموضوعي  لايضحي بالوطن من أجل الوصول الى الغاء فوري  عملي للمادة الثامنة …

لا تقتصر حماية المادة الثامنة على التحصين والتجييش , وانشاء الفرق الرابعة  والخامسة ..الخ والحرس الجمهوري ..وسرايا الدفاع (سابقا)..الخ , وانما لجهاز الفساد والامتيازات  أساليب أخرى,منها ماهو تعتيمي تضليلي عن قصد أو عن غير قصد , فجهاز الاستفادة والافساد يخلط عمدا أو عن عدم معرفة  بين مفهوم الدولة   ومفهوم النظام ثم مفهوم السلطة , فالدولة هي الدولة السورية ,والنظام هو نظام جمهوري نيابي , والسلطة هي سلطة البعث, والشيئ الوحيد المقدس هو السلطة , اما الدولة فقد حولتها السلطة الى مزرعة , والسلطة حولت النظام الجمهوري النيابي , الى نظام شبه ملكي غير دستوري ..حيث التوريث والتطاول على القانون , وأكبر التطاولات على القانون كانت المادة الثامنة , التي جعلت من الدستور  لادستور , ومن مايسمى السلطة التشريعية  جوقة تهريجية , اثبتت تهريجيتها بالجلسة التاريخية التي لاتنسى , حيث اراد الرئيس القاء خطبة , فما كان من الجوقة الا الاعلان الفاضح عن كينونتها ووظيفتها ..من مدح وتملق وأشعار وأهازيج …حتى أن أحد أفراد الجوقة  استصغر رئاسة الجمهورية  السورية على الرئيس , الذي عليه أن يكون رئيسا للعالم بأجمعه .

المعارضة لاتريد تدمير  الجمهورية السورية , والمعارضة لاتريد ازالة النظام الجمهوري النيابي , المعارضة تريد ازالة السلطة الفاشلة , أو على الأقل تقليم أظافرها , ولكي تدافع السلطة عن نفسها  لجأت الى خلط الحابل بالنابل ..من يريد تغيير السلطة , يريد تدمير  الجمهورية السورية  ويريد حذف النظام الجمهوري النيابي , وبذلك يقع  بحكم القانون في خانة الخونة , السلطة دمجت  نفسها في النظام والدولة , والأرجح على أن دمج السلطة بالدولة والنظام نتج في معظم الحالات عن عدم ادراك البعض للفروق بين السلطة وبين الدولة والنظام , سبب ذلك هي الخبرات التي حصل عليها رجال السلطة  في السنين الخمسين الأخيرة , وهذه الخبرات تقول , ان السلطة المقدسة هي كل شيئ..هي دولة ونظام , وحتى الفهماء من رجال السلطة لايدركون هذه الفروق اطلاقا . فمن دمر الجمهورية وحولها الى شبه ملكية لادستورية , ومن قضى على النظام الجمهوري النيابي التمثيلي  , كانت السلطة , وليست المعارضة !

من هنا يجب القول  ان السلطة هي كل شيئ ..حتى في الادراك اللاشعوري عند رجالها , والغاء المادة الثامنة , هو بمثابة قطع الغصن الذي ثقف عليه , وعلى الأرض لاتستطيع السلطة أن تسبح الا في مستنقع اللاقانونية .. والعاقل المتعقل لايريد  تدمير الوطن عن طريق تزايد الحروب الأهلية أو التدخل الخارجي ..لذا فان الغاء المادة الثامنة  هو .. سراب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *