ما المطلوب من البعث عقيدة وقيادة ؟

 هالني ذاك التشنج في الحديث عن حزب البعث العربي الاشتراكي، سواء أكان المتحدث خصماً للحزب أم كان واحداً من أبنائه، وأرد ذلك التشنج إلى شيء واحد وهو الجهل بهذا الحزب أو بالأحزاب والحياة الحزبية عموماً، ولا يغرني أحدهم بتسميته أو المواقع التي احتلها، فهو احتلها بحق أو بغير وجه حق، ولكن لا يتعدى أن يكون جاهلاً بحزبه إن كان بعثياً، أو بخصمه وبنفسه إن كان غير بعثي..

وبالمناسبة فأنا منتم وحزبي، وأؤمن تماماً بحزبي ومبادئه، وإن كنت على خلاف مع الأشخاص والممارسات، وقد كتبت عن ذلك مرات عديدة، وأشير إلى الفرق البيّن بين الحزب وقياداته وشخصياته، ولا يجوز بحال من الأحوال أن نختصر الحزب في شخصيات قد يكون موفقاً بها، وعلى الأغلب هو غير موفق..! وأي حزب من الأحزاب بما في ذلك الأممي منها عندما صار في موقع الحكم ترهّل وصار أعضاؤه عبئاً عليه وعلى مبادئه، بل أذهب أبعد من ذلك فإن الفساد عندما يستشري في حزب عقيدي أو عقائدي يكون أكثر خطراً من الفساد في الدوائر الأخرى.
قبل المؤتمر القطري الأخير فتحت الصفحات للإجابة عن سؤال يدور حول المراد من حزب البعث، وفي تلك الآونة قرأت كتابين مهمين عن حزب البعث أحدهما للوزير السابق حسين القاضي والآخر للدكتور علي عقلة عرسان، وكلاهما من المعنيين بالحزب، وكان الأجدى أن يعود البعثيون إلى إعادة هيكلة شاملة، وهنا لا أقصد الحزب بقدر ما أقصد إعادة هيكلة العلاقات الحزبية من خلال اعتماد المبدأ المفتقد (النقد الذاتي) لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، وكانت المصالح الذاتية أهم من الحزب ومبادئه لدى الكثيرين، وأذكر أنني طرحت مجموعة من النقاط عبر صحيفة «الاقتصادية» في ملفها قبل المؤتمر، وأجد لزاماً اليوم أن أطرح هذه الآراء مع ما طرأ عليها من تعديلات لعلها تسهم من وجهة نظري في تحرير الحزب من ذاته ومن خصومه الخطرين في داخل البنية التنظيمية له..

التفرغ ومفهومه
يوجد لدى البعثيين مفهوم التفرغ، وهذا المفهوم بشكله الحالي المكرس مرفوض تماماً، إذ لا يجوز أن يتم تفريغ أي عامل في الدولة من أجل عمل حزبي، يتقاضى مرتبه من الدولة ليقدم خدماته لحزب محدد، حتى ولو كان هذا الحزب هو الحزب الذي يقود السلطة، ولو أحصينا المتفرغين في كل سورية لكان الأمر مدهشاً في حجمه واستهلاكه، وفي الوقت نفسه في تحقيق أشياء عديدة من الفساد والتجاوز التي تدفع هؤلاء إلى مقاومة أي تغيير، والتفرغ كما أراه يجب أن يكون إجازة إدارية للموظف الحكومي ليتفرغ لعمله الحزبي الذي يتقاضى أجره المعادل للوظيفة التي يشغلها من صندوق حزبه لا من المخصصات الحكومية لوظيفته.
وآلية التفرغ هذه تدفع للتسابق بين الحزبيين للحصول على موقع حزبي يتفرغ من خلاله أحدهم، ويمارس فوق ذلك سلطته الحزبية التي تحقق له المصالح الكثيرة على حساب الآخرين..!

السيارات والمقارّ
كان مهماً ما أشار إليه السيد الرئيس في أثناء جولته في أميركا اللاتينية عن فصل مسار المؤتمر الحزبي عن التغييرات الحكومية، وحبذا لو تم الفصل التام، بغض النظر عن المادة الثامنة، ولو أمعنا النظر فإن المادة الثامنة ليست مشكلة إلا بالقدر الذي سمحت فيه للفساد وأعطت امتيازات لشريحة من البعثيين وعلى نفقة الدولة وليس على نفقة الحزب وعائداته ومطبوعاته واشتراكاته! ويذكر الكبار من البعثيين في السن أن الحزب كان يموّل نفسه، ولكن عندما تحوّل إلى امتيازات وتفريغ وسيارات تحلّق فئة من المنتفعين وأخذوا ما ليس لهم، وقد وجدنا اعتباراً من الثمانينيات مجموعة كبيرة من الذين استفادوا من البعث واستنزفوه لا علاقة لهم به أو بفكره! بل إن عدداً منهم انقلب على البعث والنظام معاً، ونتابع اليوم من كان عضو قيادة في الحزب في محافظة إدلب والكيفية التي يتحدث فيها عن حزبه السابق!
وأنا لا أستوعب حتى الآن أن يخصص لقيادات الشعب والفروع وما شابه سيارات، تتجدد مع كل قادم، فعلى أي أساس؟ ومن أي رصيد؟ ولم لا يكون لكل عضو سيارته الخاصة؟ وخاصة في هذا الوقت الذي تتاح فيه السيارات للجميع، وإن كان للحزب أن يساعد، فليسهم في تقسيط وإلغاء رسوم سيارة لعضو القيادة في أي مستوى كان، وعندما يرحل يحمل سيارته وخسارتها وربحها واهتلاكها معه، وليست الدولة مضطرة لهذا الكم من الاهتلاك في المقار ومصروفاتها من قيادات الفرق وحتى قمة الهرم الحزبي، والمجتمع ليس طيفاً واحداً ليكون ملزماً بفوائد شريحة من الشعب تعيش عيشة مرفهة جداً على حساب الآخرين! فالمادة الثامنة مشكلتها تنبع من الامتيازات لا من أي شيء آخر، والذي ينبري لتسفيه الآخرين في أي نقاش، فإنما يقوم بذلك من دافع المنفعة التي حصّلها ولا يريد التنازل عنها!!
وسؤالي اليوم: لو أن هذه الامتيازات سحبت دفعة واحدة لمصلحة الدولة فهل سنجد ذلك التناحر من أجل المواقع الحزبية والتفرغ فيها؟ والجواب حتماً: لا عندها سيتم فرز البعثيين العقائديين الحقيقيين، وهؤلاء من يستحقون لقب البعثي الذي يعمل من أجل حزبه لا من أجل منافعه، وعندها سترتفع أسهم البعث والبعثيين إلى مستوى لا يدركه أحد.. فهل نفعل؟!

المنظمات والهيمنة
من التعاريف التي تطلق على عدد من المنظمات أنها هادفة رديفة للحزب، والتي لا يطلق عليها هذا التعريف هي أكثر ردافة له، والمنظمات بطبيعة تكوينها لا تحتمل هذا التصنيف، فالشبيبة مثلاً واتحاد الطلبة واتحاد العمال واتحاد الفلاحين واتحاد الحرفيين والسياحة وغيرها تعمل وفق الإطار ذاته، وخاصة في ميادين التربية والتعليم، وغيرها تعمل وفق الإطار ذاته، فهل يجوز أن يتم سلك الجميع وفق رؤية حزبية واحدة حتى لأبناء الحزب؟ من المفترض وجود خلافات كذلك ليس من السليم فرض مثل هذه التبعية، وقد دفعنا النتيجة اليوم وفي هذه الأزمة إذ تحولت هذه المنظمات إلى منظمات نفعية مصلحية، فالرفيق في سن التقاعد يشرف على أمور الشبيبة!! والرفيق الآخر كان يعدّ لمناقشة الدكتوراه لكنه أوقف مناقشته أكثر من خمسة عشر عاماً ليبقى طالباً ورئيساً لاتحاد الطلبة وإلا خسر موقعه وامتيازاته، وكذلك الأمر في اتحادات ونقابات أخرى لا تقوم إلا على مصالح خاصة، ولا تقوم على خدمة الشريحة التي وجدت لأجلها..! لذلك نفهم أن يقوم أحدهم ليرفض أي شيء ولو كان رفضه مؤذياً لسورية ولحزب البعث، لأنه سيخسر مكتسباته التي كانت وراء تهدل الحياة البعثية، بل وراء ما يحدث اليوم تجاه الدولة والبعث معاً، وأنا أشفق على البعث حقيقة، لأن ما فيه أسمى مما يصوّر عليه، وقراءة جديدة في البعث تجعله قادراً على الحياة، وذلك باختيار علماني حقيقي يبتعد عن الدائرة الضيقة التي لا تستوعب جماهير الوطن، وأزعم أن البعث فكراً قادر على فعل أشياء كثيرة لو أراد قادته اليوم!

البعثيون والسلطة
إن الربط بين الحزب والسلطة أدى إلى وجود عدد كبير من الانتهازيين، واليوم نسمع من كثير قولهم: صرت بعثياً لأنني مضطر، حتى أتوظف وأترفع وأعيش، هؤلاء شكلوا طبقة كبيرة من البعثيين، ومع الأسف فقد حقق عدد لا بأس به منهم مواقع متقدمة، وبسبب غياب الإيمان العقائدي لديهم سخروا كل شيء لخدمة مصالحهم ومآربهم وقضاياهم، بل إن السلطة أعطت هؤلاء أبعاداً كبيرة، وكلما كانت المسافة بعيدة بين البعثي ومبادئ البعث ارتفعت سوية المنفعية، وفي هذا السياق يجب أن يبتعد البعثيون- بصفاتهم البعثية- عن السلطة والتحكم بالمفاصل التنفيذية حتى لا تتحول الصفة البعثية إلى امتياز للتجاوز والوصول إلى مفاصل بعيدة المدى، وأظن أن ما رآه الناس والبعثيون ضمناً من تجاوزات مصلحية ذاتية ضيقة هو ما أساء إلى الحزب الذي تحول من حزب طليعي تكتب جريدته بيد سليمان العيسى إلى مؤسسات بيروقراطية مصلحية شاهقة البنيان، كثيرة المنافع لمن أراد..!
ولو تم هذا الفصل بحيث تترك الفرص للكفاءة الحقيقة سواء أكانت بعثية أم لا لحدث نوع من التنافس الإيجابي لمصلحة الوطن والحزب والمؤسسات ومن هنا يمكن أن يفهم المتابع الأسباب التي تجعل بعضهم منافحاً وبشراسة عن أو ضد نصوص تكرس سلطة الحزب، إذ لولا هذه النصوص لما ظهر فلان وغاب آخرون.. إن التعددية والتنافسية هي السبيل الوحيد لخلاص الوطن وإبعاد الشعور بالظلم.

نجاة حزب البعث
نسمع دعوات كثيرة من الداخل والخارج عن نهاية الأيديولوجية بل إن عدداً «بشّر» بانتهاء حزب البعث، متناسين أن فكرة الاجتثاث في العراق أثبتت فشلها، فالبعث شأنه شأن الأحزاب العقائدية هناك من يؤمن به حقيقة، وهؤلاء سيدافعون عن عقائدهم بعد ذهاب المنتفعين مع أول طريق فرعي.. وأنا أشاطر من يقول بإمكانية نجاة حزب البعث، بل أتمنى أن ينجو بما يملك من تاريخ وقاعدة شعبية ومبادئ وقيم، والنجاة لا تكون إلا بالفصل بينه وبين السلطة ليكون التنافس على أشده مع غيره، عندها لن يبقى سوى المؤمنين به، وسينجو من الترهل والمصلحية، ويدخل في إطار السباق السياسي الذي يعيد إليه جوهره وسمعته السابقة.
مرة أخرى أتوجه إلى القيادات من الكوادر بسؤال بسيط: لو ذهبت المكاسب المتعددة والكثيرة فماذا يبقى من فساد في الهيكل التنظيمي، بل من يبقى من البعثيين مع العقائديين؟
يبقى جوهر الحزب الذي يسعى إلى التجديد والبناء.

اسماعيل مروة

ما المطلوب من البعث عقيدة وقيادة ؟” comment for

  1. حديث موضوعي ليس فيه من الدجل أو اللف والدوران ميليغرام واحد, ولكن للبعض رأيا آخر بما يخص الحزب …الحزب لم يترهل فقط , وانما فقد دوره التاريخي عن طريق فشله في تحقيق مايكفي من النجاحات على مستوى الدولة والشعب , ولكي لايفقد وجوده نهائيا تحول بشكل تلقائي لاشعوري الى حزب امتيازات ومكانات وسيارات واسترزاقات…حيث يشتري الحزب عضوية وولاء شخص ما مقابل اعطاء هذا الشخص أفضليات مادية ..كما يشتري بعض المتمولون الأصوات في الانتخابات , كذلك يشتري حزب البعث العضويةوالولاء , مع فرق كبير ..المتمول يدفع ثمن الصوت من جيبه , أما الحزب فيدفع ثمن العضوية من أموال وأملاك الشعب ….
    الحديث عن تنكص الحزب طويل جدا , الا أنه يجب التنويه الى بعض النقاط التي تخطر على البال تلقائيا ..منها مثلا معاناته من الفراغ الفكري , الذي حاول معاوضته بالتعبد وتقديس الأشخاص , ولما كانت القدسية خاصة من خواص الأديان , فقد تحول الحزب الى دين , ثم تحول الى طائفة وبالنهاية أصبح حزب طائفي وعشائري , طائفية وعشائرية الحزب قادت الى تنشط التيار الديني في سوريا والى العرعور وعودة الاخوان المسلمين , ثم تصدرهم للحراك الشعبي …كل ذلك بفضل سياسات حزب البعث العربي الاشتراكي !!
    كلما ازداد ضعف الحزب حقيقة , ازدادت بنفس النسبة عنجهيته وتمسكه بأهداب قانونية الامتيازات الزائفة؟؟؟؟ ..كادعاء الشخص الثاني في الحزب (بخيتيان أو بخيتان)على أن المادة الثامنة هي من مكتسبات الحزب …ولم يقل لنا هذا الانسان , الى متى ستبقى المادة الثامنة مكتسبا للحزب ..لربما الى الأبد , ثم لم يقل لنا , كيف أصبحت المادة الثامنة هي الجهة التي تعطي الحزب شرعية قيادته ..لقد نسي هذا الشخص الشعب بأكمله ..الشعب هو الذي يعطي الحزب شرعية القيادة أو تملك سلطة , وليست المادة الثامنة , التي تمثل خرقا واضحا للدستور وتجريحا لكرامة الانسان , وحذفا لمبدأ المساواة .
    مكان التعليق لايتسع الى المزيد , لذا سأحاول ترتيب أفكاري بهذا الخوص وصياغتها بشكل مقال والى اللقاء

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *