عندما تستقيل الانتلجسيا

تفاصيل ما سموه الربيع العربي تبعث على الكثير من الأسئلة وتحرض العقل العربي على مزيد من التساؤلات والبحث عن أجوبة واقعية وعلمية وإيقاف محركات الغرائز والأمنيات وكل ما يتعلق بالعواطف والانفعالات لأن هذه العناصر كانت أحد عوائق التطور والإصلاح والتقدم في هذا العالم العربي المترامي والمرتمي.
فجميل جداً أن يغلي مرجل الثورة في عالمنا العربي وينتفض شباب العرب دفاعاً عن حقهم الطبيعي بحياة أفضل ومؤسسات راعية وصاهرة وحاضنة لإمكانياتهم وأحلامهم وقيمهم وهويتهم أيضاً ويعيدون تصويب مسيرة مستقبلهم.
فمطالب هؤلاء الشباب المشروعة فيما خص حياتهم اليومية ومستقبلهم الاجتماعي لا يمكن رفضها فهي تدخل ضمن إطار الحقوق الطبيعية للمواطنين وللإنسان الفرد وهي حقوق يمكن وصفها بالكونية.
ودون الدخول في تفاصيل هذا الربيع العربي المملوء بكل التناقضات والمحرك للكثير من التساؤلات المشروعة أيضاً فقد آن الأوان لطرح هذه التساؤلات والأسئلة الكبرى المطروحة أمام الانتليجنسيا العربية، إذا ما أرادت هذه الإنتليجنسيا أن تأخذ مكانها في حركة التاريخ وألا تبقى على هامش الحدث، كما هو الحال الآن، بعد نحو العام من أول إرهاصات الحراك الشعبي.
الغرب يعرف جيداً ويتحرك وفق آليات وأدوات ومنطق واضح مفاده:
إن لم تكن أنت المحرك والفاعل فلا تقف متفرجاً على الحراك. ووفق هذا المنطق كان الغرب يحكم ويتحكم بحركة التاريخ والجغرافيا السياسية للعالم ووفق هذا المنطق كان وعد بلفور وكانت اتفاقية سايكس بيكو وسان ريمو وفرساي وكانت اتفاقية روزفلت- عبد العزيز الـسعود. وغيرها وغيرها من الاتفاقيات التي نحصد آثارها اليوم.
وإذا كان الغرب يعي تماماً كيف يقفز على التحولات التاريخية الكبرى، حتى ولو لم يصنعها، ويديرها وفق مصالحه الثقافية والاقتصادية والسياسية فلأن الانتليجنسيا الغربية موجودة بفاعلية وتتحرك عندما تحين الفرص.
والقارئ لما يحصل اليوم في هذا العالم العربي لا شك يطرح سؤالاً أين الانتليجنسيا العربية من المحيط إلى الخليج؟ أولا يستحق هذا الشباب العربي انتليجنسيا تنقله من حالة الانفعال والغرائزية إلى حال من الفعل والعقلانية حتى لا تجهض الثورة نفسها أو أن تتلهى بـ«لعق المبرد» معتقدة أنها تأكله.
لماذا ما زلنا نعتقد أن انتقاد حلف شمال الأطلسي والتمرد عليه ورفض التدخل الساركوزي بمثابة دفاع عن نظام العقيد القذافي في ليبيا. والكل يعلم أن فوضى نظام القذافي لا يمكن الدفاع عنها. لكن أيضاً لماذا لا نسأل ماذا بعد القذافي ومن سيمسك بهذه البقعة الغنية من العالم العربي؟وهل صحيح أن الليبيين هم الذين انتصروا، في حال انتصر الأطلسي وساركوزي على القذافي وهل فعلا سيتسلم الليبيون زمام أمورهم ويديرون ثرواتهم الطبيعية والبشرية؟ وهل حصل يوماً أن قدم وساركوزي والأطلسي مثل هذه الهدايا يوماً ليقدموها لليبيين وهل الأطلسي جمعية خيرية تعمل تحت سلطة بيت زكاة المسلمين؟
وفي الحالتين المصرية والتونسية ورغم الانتصار الكبير الذي حققه الشباب ماذا كان دور الغرب والأطلسي وساركوزي تحديدا؟ هل تمت دراسة الدور الذي يلعبه هؤلاء في الحد من وهج «الثورتين»؟
لماذا «صمد» الرئيس اليمني أمام ثورة شعبه ورغم الدماء التي سالت في اليمن السعيد؟ ولماذا خرجت ثورة اليمن من اهتمامات الإعلام الغربي والعربي رغم استمرار الدماء والنزاع.؟
هل مشكلة الديمقراطية والفساد محصورة في الدول التي تشهد حراكا شعبيا وأن باقي الدول هي معابد للديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير والمعتقد وحكامها أنصاف آلهة يبنون مدينة أفلاطون الفاضلة؟
هذه مجرد أسئلة لا بد من الإجابة عنها حتى يمكننا أن نخرج من الدوامة ونلتحق بحركة التاريخ وبناة المستقبل. وبالتأكيد ليس مطلوبا أن نتفق على الخلاصات والنتائج لكن المطلوب ألا نختلف على مبدأ طرح الأسئلة الرئيسية وألا نبقى في دوامة الأكاذيب والمبالغات الإعلامية وهي الجانب الأسود في عالم الإعلام الحديث الذي لا يلغي أهميته وضرورته للحياة العصرية. فالأكاذيب والمبالغات التي تسري تفقد الثورة معناها ومصداقيتها فليس للثورة أن تستخدم آليات وأدوات ومنطق الحكام فلا معنى لثورة تسير على خطا ما ومن تثور عليه كما تدعي.
وفي الحالة السورية تبدو المسألة أكثر وضوحا وأكثر مأساوية في مسيرة ما يسمى «الربيع العربي» لأنه في الحالة السورية فإن مستقبل المنطقة وجيو-سياستها كلها هو على المحك وليس جزءاً غالياً من العالم العربي. ويبدو واضحاً أن المستهدف ليس النظام السياسي في سورية ولا النظام الاقتصادي بل نظام القيم والمبادئ التي يعتنقها الشعب السوري، نظام لم يستطع حاكم سوري التخلي عنه وكل من حاول كان مصيره معروفا.
الحالة السورية يعرفها جيداً الرئيس الفرنسي ولأنه يعرفها فهو أكثر المتحمسين لإسقاط هذا الجزء من النظام حتى لو بقي ما يعمل السوريون على إصلاحه.
فالغرب يعرف جيداً أن الرئيس السوري يملك القدرة والإرادة على إحداث تطور هائل في بنية النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي مع المحافظة على الهوية السورية لسورية ونظام القيم والفكر والنهج السوريين المرتبطين ارتباطاً عضوياً بنصرة القضايا القومية. وهو الذي يجعل محيط سورية الطبيعي يظهر حماسه لحماية نظام القيم والفكر والنهج القومي ويرى بالمسألة السورية مسألة تعنيه في الصميم وليست مشكلة عند جار عزيز كما يتخيل البعض.
ومن هنا أيضاً يمكن تفسير حماس الغرب لإسقاط سورية بالكامل في القلق اليومي وإدخال السوريين في دوامة التفاصيل الصغيرة والمبالغات الإعلامية وتحريض الغرائز الدفينة على مختلف المستويات مستهدفين بنية الشعب السوري.
من هنا لا بد للانتليجنسيا أن تسارع إلى عملها الطبيعي فالفرصة سانحة في سورية لإنهاء آثار قرون من الاستعمار المتعدد الأشكال. والاعتماد فقط على قوة الجيش والأمن استقالة معلنة من المسؤولية التاريخية.

عيسى الأيوبي,الوطن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *