شقاء الأرض وخدعة السماء….
تتميز سوريا وغيرها من الدول العربية بوجود العديد من التناقضات , ففي هذه البلدان تطورت الكلمات لتصبح مفردة “طائفي” من أكثر المفردات هجاء , بينما تطورت الأوضاع لتصبح الطائفية من أكثر الممارسات انتشارا , وعن ضرورة الطائفية موضوعيا , فالطائفية هي من أقل الممارسات ضرورة , الا أن هذه الدول أصبحت من أخصب المستنقعات انتاجا للطائفية ,الطائفية هي من أكثر المنهجيات عرقلة للحياة ,وفي نفس الوقت من أكثر المنهجيات التزاما , البعض يموتون من أجل الطائفة ,بينما لاتموت الطائفة من أجل أحد , قيل ان الطائفة هي طريق الحياة للبعض ,واذ بها طريق الموت للجميع , الانتماء للطائفة وراثي وكأنه ولادي , بينما التعصب لها وكأن أمرها اكتسابي طوعي , كيف يمارس البعض تلك التضحية, التي تصل الى حد الحياة من أجل صيغة أو صفة لم يكتسبوها بادراكهم وخيارهم وقناعتهم وانما اتتهم ولاديا منويا !,
ما هي مدلولات خاصة الدفاع المستميت من قبل البعض عن خاصة الصقت بهم , لطالما ولدوا في عائلة تنتمي الى تلك الخاصة اي معتقد معين , بالمقابل لايدافع هؤلاء بتلك التضحية عن انتمائهم السياسي المكتسب بقدر تضحيتهم في الدفاع عن انتمائهم الغيبي , واقعيا لم يتمكن الانتماء الوطني في هذه الدول من اختراق الانتماء الطائفي , بينما تمكن الانتماء الطائفي الموروث من اختراق الانتماء الوطني , وبذلك تحولت الأوطان الى سمة اوطان الطوائف , بدلا من أن تتحول الى سمة طوائف في الأوطان , الوطنية لاقت حتفها على على مذبح الطائفية , التي أوصلت هذه المجتمعات الى ماوصلت اليه .
الاشكالية هي اشكالية هوية وانتماء , تقدم الانتماء الموروث على الانتماء المكتسب معقد الطبيعة والأسباب , وأهم هذه الأسباب هو اطار الادراك والوعي العام والثقافة التي تتمركز بشكل رئيسي في الموروث من التراث , الشعوب تقليدية تراثية لا تستسيغ مغامرات الجديد والتجديد , ثم هناك هيمنة الثقافة البدوية العشائرية القبلية الغازية والمعتاشة من غنائم الحرب , اضافة الى ذلك الولاء للسماء والتنكر للارض , اي للوطن , ثم عرقلة تطابق الدولة التاريخية مع الدولة السياسية , عرقلة تطابق حدود المشاعر مع حدود الجغرافيا , كل ذلك قاد الى خلل وتأزم ,والى تحول التعددية الى تفككية وجمالها الفسيفسائي الى قبح تضارب الألوان , وبالتالي التنافر والخلاف وعدم الانسجام.
تتكون الهوية من مجموعة من القيم والأفكار في لاشعور الفرد , قيما يحيا بها وتحيا به , الحياة المشتركة بين القيم شعوريا ولا شعوريا يمثل يمثل الوجود الاجتماعي , انه الصورة الشمسية لهوية المنتمي , الهوية هو جواب الفرد على السؤال من أنت ؟ انا سوري او شيئا آخر ..الخ ,لا يمكن أن يكون الجواب انا من سكان سوريا, اي مساكن , فالانتماء والهوية أكثر من تعريف جغرافي أو حتى عقائدي , بالرغم من كونهم جزئيا جغرافي و اعتقادي أو ثقافي أو تراثي حضاري , الهوية هي مزيج متعدد المكونات ومختلف المكونات ,والانتماء – الهوية هي المحدد لتلك الصيغة التي تجمع العديد من الناس حول قاسم مشترك ..أنا سوري وأختلف مع كل السوريين بالعديد من الخصائص , الا أني اتقاسم معهم العديد من الخصائص, وهذا هو الذي يسمح لهم ولي بالقول اننا سوريون بالدرجة الأولى بما يخص الوطن ,
سوف تفشل الشعوب أكثر مما فشلت , ان لم تتمكن من ترتيب أولويات الانتماء -الهوية بشكل يستقيم مع الوطن والوطنية , ويبتعد عن المذهبية , تخضع أولويات الانتماء المذهبي الى أحكام الترغيب والترهيب الأقصى والى أحكام الجهل والتجهيل , فأولية الانتماء الغيبي ارهابية ترهب بجهنم وترغيبية ترغب بالجنة , أي أن المشجع لأولوية الانتماء الغيبي لايكلف الا الوعود وترسيخ الجهل الذي يسمح بالتيقن من هذه الوعود , بينما تتطلب أولية الانتماء الوطني من الوطن العطاء الواقعي كتعبير عن احترام حقوق المواطن مقابل قيام الفرد بواجباته تجاه الوطن , وماذا يمكن أن يحصل عند تقاعس الوطن في احترامه لحقوق المواطن , او تقاعس المواطن في القيام بواجباته ؟.
تصاب منظومة الوطنية والمواطنة والوطن بالخلل , عندما يأخذ الوطن ولا يعطي ,أو ياخذ المواطن ولا يقوم بواجباته, وهذا الخلل يدفع الانسان للبحث عن معادلات اخرى من حيث الواجبات , ومن حيث التعويض عن القيام بتلك الواجبات , فماذا لو اقتصرت الواجبات على ممارسة طقوس من صوم وصلاة حتى شكليا , مقابل الفوز بجنان الحياة الأخرى وما تقدمه هذه الحياة الأخرى من مغريات مثل التابيد والحوريات وغير ذلك مما تقدمه الغيبية المعطاءة بالوعود , لاتكلف هذه المعادلة او المقايضة سوى تزاوج الجهل مع الايمان بالوعود , يتأسس الايمان على ” التفكير بالتمني” والحياة على أمل ورجاء التمني.
يصنع الايمان بالعديد من الطرق من أهمها الترغيب والترهيب ثم التكرار واحلال الجهل مكان العقل بحيث يفقد المغرر به بعد انتزاع عقله من رأسه كل مقاومة , لذا يستسلم , ولكي يكون ريعه في السماء اعلى يتحول الى المؤمن الأعلى , الذي يفجر ويقتل ويغتال ويخرب عمدا حياة غيره وحياته الدنيوية , التي تعتبر عابرة وعديمة القيمة مقارنة مع الحياة الآخرة الدائمة المؤبدة , فمن يفتقد الجنة على الأرض يبحث عنها ليجدها بفضل ايمانه في السماء , يجد ما لاعين رأت , ولا اذن سمعت , ولا خطر على قلب بشر , يبقى كل ذلك خدعة , حتى يأتي شاهد عيان ليؤكد كل ذلك !.
Post Views: 518