ممدوح بيطار, مها بيطار:
المصري ناصري بطبيعته , عبد الناصر مصر , ومصر عبد الناصر ,مصر ناصرية مع عبد الناصر وبدون عبد الناصر , أغلب الظن بأن كاتب هذا الكلام بليغ جدا , فالمبالغة هي جزء من البلاغة , عبد الناصر على كل ايجابياته وسلبياته اي تأثيراته لم ولن يبلغ حجمه حجم مصر , لقد تهيأ له ولغيره ذلك , وهذا ما مهد الطريق الى تمظهرات وممارسات الناصرية , التي كانت حسب معايير النجاح والفشل الموضوعية عبارة عن فشل وكارثة مطلقة !
هناك العديد من العوامل , التي جعلت عبد الناصر يعتقد بأنه مصر , فمجعل الثقافىة الشعبية أوحت له وكأنه مصر ,ففي جنازنه مثلا سار خمس ملايين مصري , عموما , أي في مصر وخارج مصر نميز بين ثقافة معيارية , وبين ثقافة شعبية مصاغة بلغة التمنيات والقناعات التصورية , للثقافة واللغة المعيارية من تبناها من النخبة , وكان هناك من تبنى ثقافة التمنيات التصورية والأحلام , ثقافة الحب والكره في السياسة , هذه الثقافة كانت من نصيب اتباع عبد الناصر ومن اراده وأيده.
لم يكن هناك لقاء بين هذين الثقافتين ,لأنهم يسيران , بشكل متوازي , ولا تفاعل ولا تأثير متبادل بينهما ولا استيعاب متبادل , أي أن الثقافة المعرفية المعيارية لم تلتق مع ثقافة جموع عبد الناصر الشعبية , ولن تلتق ,اضافة الى ذلك كانت الثقافة المعيارية المصاغة بلغة وفكر معياري مهددة , بسبب لجوئها القسري احيانا الى بلاط السلطة طلبا للاعتياش , وبالتالي ممارسة الانتحار , او الانخراط في معارضة البلاط , وبالتالي قد تكون نهايتها في مواخير المعتقلات والسجون .
لم تكن الثقافة الشعبية معرضة للخطر الأول , لأنه غير مرحب بها على البلاط , لعدم وجود من يحملها من المشاهير…الديكورات , ولا خطر عليها من انحدارها الى جماعات معارضة البلاط , لأنها أصلا من صنع سيد البلاط الذي ضمن بشيئ من الفتات كل مايريده من الشعوبيين الغير مهتمين بعمق الفكرة او السياسة انما بقشرتها , هؤلاء هم أتباع عبد الناصر والمستقطبين له بالمطلق ,هؤلاء تعاملوا مع نجمهم عبد الناصر بالحب الجارف وبالعواطف الجياشة , التي لم تتأثر في كل الحالات بالواقع وشجونه ومشاكله , لم يدرك الحب الأعمى الوجود ومايؤثر عليه بشكل علمي معياري , الجماعة الشعبية المصرية كانت كجماعة صدام الشعبية او غير صدام , جماعة بالروح والدم نفديك …الخ ,جماعة مارست الحب الجارف اللفظي الملتحف بالعواطف والبعيد عن العقلانية , القصور كمن في اعتبار عز عبد الناصر هو المصيغ لعز مصر وليس العكس , نيات عبد الناصر كانت جيدة ,ولكن نتائج سياساته كانت سيئة ,لقد كان نظيف اليد حقا , وهذا من نوادر رجالات السياسة في هذا المشرق ,
المهم كانت النية ولم تكن النتيجة , ليس المهم بالنسبة للجماعة الشعبية ماقادت اليه أعماله ,ان كانت تأميم قناة السويس , أو الأمر بسحب القوات الدولية قبل حرب ١٩٦٧ , أو تأميم المرافق الاقتصادية , أو حتى الوحدة مع سوريا , التابع الشعبي استمع لخطابات الساعات وصفق لساعات ونام بعد ذلك قرير العين مطمئنا , لم يهتم بما سيحدث غدا , ولم يريد تعكير مزاجه وشعوره بالرضا والسعادة مع عبد الناصر لأي سبب كان ,وحتى سياط عبد الناصر التي جلد بها العديد من أفراد هذه الجماعة المنغرمة به , لم تؤثر على مشاعر الحب والانغرام .
شاركت الشعبوية عبد الناصر في التزييف , وهكذا تحول الانقلاب العسكري من عام ١٩٥٣ بنظرهم الى ثورة , كل انقلابات العسكر في المنطقة اعتبرت ثورات , وبذلك قلب مفهوم الثورة راسا على عقب , وحتى الهزائم لم تعتبر من قبل ثقافة الأتباع الشعبية على أنها هزائم سببها عبد الناصر , كانت “نكسة” تسببت حاشيته بها , اضافة الى المؤامرة والمتآمرين , لاعلم للريس بتداعيات الفشل والفساد وما دار حوله , كارثة ١٩٥٦ تحولت الى نصر لعبد الناصر على العدوان الثلاثي , وذلك بغض النظر عن سير المعارك ونتائجها الكارثية , بالنسبة لأنصار الناصرية احتلت القوات المصرية في ايام الحرب الأولى تل أبيب , هكذا صرح أحمد سعيد بصوته الشبيه بالرعد من على “هنا القاهرة ” وأيده الشقيري , وقلدهم بعد سنين الصحاف وزير اعلام صدام,عبرت جرأة هؤلاء في ابتداع الكذائب عن احتقارهم للجماعة الشعبية , التي اعتبروها قطيعا من البهائم البلهاء المغيبون عقليا .
بغض النظر عن احمد سعيد وصوت الرعد , نجد بأن النظرة لمختلف التطورات انقلبت على يد الحقائق الصلبة في معظم الحالات الى العكس , الذي نراه الآن ونلمسه , السبب لم ينحصر بعبد الناصرفقط , انما شمل شعبيته, التي لم تكن يقظة ولربما ليس بامكانها ان تكون يقظة , الشعبيات في الدول الأخرى كانت مماثلة , لم تشعر الشعبية البدائية بكارثة امتلاء السجون بمئات الألوف من مساجين الرأي والموقف ,ولم تتمكن من تقييم هذا الوضع بالشكل الصحيح , ولم تكن يقظة عندما تم حصر أو محاصرة الشعوب بالجوع والانخراط في هم القوت اليومي , لم تكن يقظة عندما الهاها القائد بمسألة الاستقلال ومواجهة الاستعمار المستمرة في ظل مايسمى صناعة الفائض الوطني , الشعبية لم تعارض سحق الحريات , ولم تعارض مفهوم الحزب الواحد ,ثم الشخص الواحد والوجهة الواحدة والغاء السياسة , الذي كان أول انجاز تدميري للناصرية بعد الوحدة مع سوريا , حطم الوحدوي عبد الناصر الوحدة مع سوريا , لابل حطم التفكير بأي وحدة مستقبلا , كل ذلك والكثير غيره قاد الى اختلاطات تجاوزت حياة عبد الناصر, أزمنت ثم أزمت , وخلقت اجيال من الأميين سياسيا ,كارثة لاتقارن بخسارة معركة على ساحة الحرب , اصلا لم تكن الحرب ضرورية لأنها كانت توقعا خاسرة.
كان وضع عبد الناصر صعب , فالاخوان وجدوا به طاغية ضالة ,بالرغم من كونه اصلا اخونجي وبقي اخونجي , حتى مع الاخوان لم يتمكن من اقامة علاقة نافعة للوطن , لقد تنافس معهم بمسابقة الاغتيالات والاعدامات ,حسب المعايير الماركسية كان عبد الناصر في قمة الضلال عندما صارع قوميا متجاهلا الصراع طبقيا , وحسب معايير البعث , كان عبد الناصر احتكاريا لمادة القومية العربية , حسب المعايير الليبرالية الديموقراطية كان ناصر فاشلا لتغييبه الديموقراطية الاجرائية ,احد القضايا التي انشغل بها عبد الناصر وشغل الناس بها كانت قضية مؤتمر باندونغ وحركة عدم الانحياز , التي تلاشت ومثلت بالتالي حركة عدمية بدون اي فائدة ,كغيرها من المشاريع الناصرية , التي لامجال لذكرها تفصيليا .
لايبتعد الانسان بشدة عن الحقيقة عندما يقول أن عبد الناصر كان مخلوقا “نزواتيا” بأفق ضيق , لم تكن هناك خطة أو منهجية مدروسة لتصرفاته , التي كانت نتائحها كارثية, لم يكن عبد الناصر مختلفا عن ربيبه والمقتدي به القذافي أو صدام أو النميري او وغيرهم , لقد كان مصنعا لصناعة الأصنام , والفارق الوحيد والرئيسي بين الصنم عبد الناصر وبقية الفراخ من الأصنام خص نظافة اليد , هذه النظافة ميزيته عن غيره بشدة , وما ميزه عن بقية الأصنام كانت نواياه الايجابية , التي تحطمت على صخرة غوغائيته النزواتية , لقد كان له كما كبيرا من المريدن , الذي أحبوه فقط , لم يوظف شعبيته بالشكل الذي مكن مصر من التحول الى دولة متقدمة عصرية ديموقراطية ….انظروا الى مصر !!!
