ممدوح بيطار , سمير صادق :
يصادف اليوم الذكرى الثانية والخمسين لوفاة جمال عبد الناصر عام ١٩٧٠ , الغريب في الأمر لم تكن وفاته التي سببها احتشاء العضلة القلبية كما هو واضح من تخطيط القلب الكهربائي , الذي قدمه محمد حسنين هيكل , انما في وفاة الناصرية , التي كان من المنتظر لها ان تبقى وتحيا طويلا , الا انها اصيبت مباشرة بعد وفاته باحتشاء الفكر الناصري والمنهجية الناصرية , لم تكن السرعة التي توفي بها الاتحاد الاشتراكي متوقعة, الا أنها أصبحت مفهومة بعد عام ١٩٧٠ .
لماذا توفيت الناصرية بتلك السرعة بعد وفاة عبد الناصر, طبعا لتقييم ذلك التطور الغير متوقع هناك معايير , ولتقييم كل حدث وكل سياسة وكل تجربة معايير , كتجربة الناصرية وعبد الناصر , فعبد الناصر والناصرية نسخ طبق الأصل عن بعضهم البعض .
للتقييم هناك المعيار الديموقراطي , الذي يمكن بواسطته اعتبار الناصرية وعبد الناصر بمثابة سقوط شاقولي لأي فكر وممارسة ديموقراطية , لابل مثلت التجربة الناصرية ترديا ديموقراطيا وتطورا معاكسا لأي بداية ديموقراطية , فبين التطور الديموقراطي وبين التوحيد هناك ضدية مطلقة , لاديموقراطية بدون تعددية واختلاف , ولا تمنيع ضد الخلاف سوى بالديموقراطية , عبد الناصر كان توحيدي … الحزب الواحد (الاتحاد الاشتراكي) والشخص الواحد والنزوات الشخصية كانوا بمثابة تمنيع ضد أي تطور ديموقراطي , فعبد الناصر كان ذو شعبية واسعة جدا , وكان باستطاعته القيام بأي شيئ يخص الديموقراطية , دون أن يشكل ذلك تهديدا لحكمه , الا أنه لم يفعل لأن عقلية التوحيد البدائية كانت مسيطرة عليه , لربما بسبب اخونجيته , التي لم تكن كامنة دائما , تبعا لذلك كان بامكانه فتح بابا واسعا للعلمانية والحرية والديموقراطية , وكان له من الامكانيات أكثر بكثير من امكانيات أتاتورك , الذي تسلم جثمان آل عثمان , وسار بالتطور العلماني بخطى ثابتة وجريئة وموفقة أيضا , وذلك بالرغم من كون علمانية اتاتورك مثلت نوعا علمانيا خاصا بتركيا , البكباشي عبد الناصر لم يفهم ولم يدرك كل ذلك .
لم نتمكن من التأكد ان كان عبد النصر اخونجي أو لم يكن , الاخوان يعتبرونه من أكبر الضالين ,الا أنه في السنة التي أعدم بها سيد قطب قام بادخال كل أومعظم ما أراده الاخوان في الدستور المصري , من هنا يمكن القول بأن علاقة الناصرية بالاخوان كانت علاقة مريضة مؤسسة على التنافس الشخصي مع سيد قطب وعلى مخاوف عبد الناصر وسيد قطب المتبادلة , وليس على التباين الفكري او السياسي انما على التنافسس الشخصي ومخاوف كل منهم من الآخر , والتي قادت الى تقتيل الاخوان وجزئيا للتمويه على اخونجية عبد الناصر ,تلك الاخونجية البدائية التي لمستها العديد من الفئات السورية الأخرى بدءا من عام ١٩٥٨ .
أعلن عبد الناصر الاشتراكية , وحزبه كان حزب الاتحاد الاشتراكي , الذي لم يعمر طويلا بعد وفاته , من خلال علاقات مصر وصداقاتها مع الاتحاد السوفييتي ثم تصريحاته بخصوص العمال والفلاحين والاصلاح الزراعي , الذي دمر الانتاج الزراعي المصري , ظن البعض ومنهم الشعراوي مثلا بأن مصر قد تحولت الى الشيوعية , الا أن الشيوعية الكلاسيكية لم تكن سعيدة بعبد الناصر المروج للفكر القومي , والمتنكر للفكر الأممي ولمفهوم صراع الطبقات ,مارست اشتراكية عبد الناصر نوعا من الرأسمالية البدائية , حقيقة لم تفشل الاشتركية , لأنه لم يكن هناك اشتراكية , ولا يمكن أن تكون هناك اشتراكية في مجتمع ماقبل زراعي .
لم يفهم عبد الناصر الاشتراكية , ولم يفهم الوضع المصري بخواص ماقبل الزراعية , ولم يفهم شروط تحقيق الاشتراكية , ولم يفهم ضروراتها في مصر , فاللاشتراكية وللشيوعية شروط , منها عدم التمكن من القفز من مجتمع ماقبل زراعي الى مجتمع اشتراكي او شيوعي , الاشتركية هي حل لبعض مشاكل الصناعة, وليست حلا لمشاكل مجتمع ماقبل الزراعة .
كانت اشتراكية عبد الناصر خطابية شكلية أمية , هدفها توزيع الموجود لارضاء الجموع الشعبية ,كما كان الحال مع الاصلاح الزراعي , دون الاهتمام بعنصر الانتاج وامكانية الانتاج القومي ,فالشعب يعيش من الانتاج وليس من توزيع الثروة الضئيلة الموروثة , كما فعلت الاشتراكية المراهقة في سوريا بخصوص التأميم والشركة الخماسية وأمثالها ,كل ذلك كانت خطوات غير مدروسة جاهلة , كل ذلك كان من أجل المجد الشخصي , وليس من أجل مجد البلاد ككل ومن أجل تقدم البلاد الاقتصادي .
ما ذكر كان بعض الأمثلة عن تخبط الناصرية الذي قاد الى الفشل , الذي لايعرف مصدرا ومسببا واحدا , وانما العديد من المسببات والمصادر , معظم ممارسات عبد الناصر كانت غريبة وغير مفهومة, منها حل الأحزاب السياسية عام ١٩٥٨ في سوريا , ثم سياسة الاستعمار التي مارسها في سوريا داعية الوحدة العربية والقومية العربية ومكافحة الاستعمار , خلال ثلاثة سنوات انقلب معظم السوريين من مؤيدين للوحدة الى المستغيثين بالانفصال !
لقد تم ذكر بعض جوانب الناصرية , سنخصص اسبوعين لدراسة التجربة الناصرية , نأمل أن يساهم الجميع في تقديم طروحاتهم حول هذا الموضوع , وللجميع الشكر سلفا .
