مها بيطار , ممدوح بيطار :
كانت العقلانية والثقافة النقدية , الأساس الذي بنيت عليه حضارة العالم الحالية , وعلى اللاعقلانية وفقر الثقافة النقدية والاستسلام للسماويات بني التأخر الاقليمي العربي , الذي ترافق مع الهزائم المستمرة والمتكررة ,هزائم امام الفقر وهزائم امام الحرية , هزيمة ١٩٦٧ وما شابهها كانت من أصغر الهزائم وأقلها كارثية , الأعظم منها كانت الهزيمة أمام التأخر والجهل والأمية والاستبداد , والأعظم من كل ذلك كانت صحوة العقود الماضية الاخونجية , التي قضت على العديد من بدايات التقدم النسبية في خمسينات القرن الماضي خاصة في سوريا .
ركبت الاخونجية وشريكها العروبي موجة “الخلاصية ” , لاخلاص من التأخر سوى بثنائية الاخونج المتعربن والعروبة المتأخونجة , وبذلك تحققت شروط التكفير والتخوين وبالتالي الحروب وممارسة العنف , الذي هدد الدولة القطرية , التي قامت في القرن الماضي بعد الحرب العالمية الأولى ,كان لتلك الدول وافرا من حظوظ ومقومات النجاح , حاربت العروبية الاخونجية هذه الدول التي تسلمت قيادتها ,حاربت الفكر والابداع , وقضت على الفكر النقدي , وعلى المثقف النقدي , الذي تم تشويهه بتهم منها مثل ازدراء المقدسات , ثم تهمة الكفر والالحاد والتخوين كرديف للتكفير .
تكمن ضرورة العقلانية وضرورة الثقافة النقدية في تفسير الخراب الذي أصاب هذه المجتمعات , وفي السعي لاعادة البناء وازالة الخراب بوسائل عقلانية , اثبتت جدارتها لدى العديد من الشعوب الأخرى , التي أخذت بها , المطلوب هو رفض اللاعقلانية , التي تتحكم بشعوب المنطقة في كافة المجالات , ان كانت سياسية أو اقتصادية , أو تنموية , أو اجتماعية , أو عسكرية , أو ثقافية …الخ , اللاعقلانية قادت الى كل ذلك التأخر الذي نلمسه اليوم , والى كل ماتعاني الشعوب منه , مثل اغتيال الحريات والديكتاتورية وتبرير الجهل لابل نشره , ثم توسيع دائرة الاستبداد بأشكاله المختلفة … السياسية والتيولوجية .الخ .
العقلانية ضرورة من ضرورات الحداثة , التي تقوم على العديد من الأسس , منها العلمانية والعلمية ودولة القانون وحقوق وواجبات المواطنة بشكل عام , العقلانية ركيزة رئيسية من ركائز العلمانية , التي لايجوز اختصارها بثنائية الالحاد والايمان , ولا يجوز اعتبارها منهجية نهائية او انها نهاية التاريخ بالمعنى الايجابي , غاية العلمانية هي خلق الفرد المستقل بفكره , ثم بناء المجتمع الديموقراطي , الذي يفصل بين المعتقد السماوي وبين الدولة والسياسة , ويمارس حرية التعبير وحرية الضمير , التي تشمل حرية الاعتقاد وحرية عدم الاعتقاد , ثم الأخذ بما جاءت به منظومات حقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة والمجتمع الدولي من قواعد وأحكام .
لاتنطلق سيرورة الحداثة من الجماعة والجموع التي يفترض على انها متجانسة أو يراد لها ان تكون متجانسة , اذ لاوجود لتجانس حقيقي واقعي , انما تجانس ريائي شكلي افتراضي , تجانس يترجم القهر والقمع والاستبداد , الجموع لاتعرف سوى الاختلاف المضاد للتجانس , مايقال عنه تجانس , ليس سوى اعلان مزور عن حالة لاوجود لها في الحياة العملية , التي لاتعرف أكثر من الاختلاف , عدم المقدرة على العيش في الاختلاف بدون خلاف , هو المسبب الرئيسي لمحاولة الغاء الاختلاف شكليا , الاختلاف كان ولا يزال من طبيعة البشر , بينما الخلاف والاقتتال ليس طبيعة تستحق الحفاظ عليها .
انطلاقا من كون الاختلاف طبيعة يجب الحفاظ عليها , لذلك يجب اعتماد التعددية كواقع وطبيعة يجب احترامها , لأنها مصدر الابداع ومصدر التقدم , لاتجوز محاولة تجريم الاختلاف ,الذي يقود الى الخلاف , لابد هنا من وسيلة ايجابية للتعامل مع الاختلاف , الوسيلة هي المواطنة الواحدة والمساواة , بعيدا عن تجزأة حقوق الانسان وانهاكها بتقييمات مرضية مثل اقلية أو اكثرية اعتقادية تيولوجية , ثم روابط الدم والعشيرة والعرق والحسب والنسب والروابط الأسرية القبلية والطائفية .
لاعلاقة للرابطة الوطنية ولمفهوم الوطن بالتراث الحالي , الذي لايعرف ” الوطن ” ولا يعترف به , يستند تعريف الدولة الوطنية والوطن على معطيات الحضارة الانسانية خاصة الأوروبية , تعريف الوطن والمواطنة حسب النسق الأوروبي والتي اعطى المجتمعات السلام والتقدم والاكتفاء الذاتي والعدالة والحرية والديموقراطية , لايعرف التراث المحلي مايسمى عقلانية , اذ أنه لاوجود في امة النقل للعقل , ولا وجود في أمة التفاخر والتبجح لثقافة النقد, على من يريد التقدم أن يأخذ بأساليب وطرق تنظيم الحياة التي مارستها المجتمعات المتقدمة