سمير صادق , عثمانلي :
كلما تفاقم الفشل والعجز قويت شوكة مفهوم المؤامرة , كتبرير توهمي يجند التصور والخيال في اكتشاف العلة وتبريرها , الخيال خصب ومن منتجاته تصورات عن القوى الخفية التي تصنع المقالب والمطبات , التي يقع البعض بها , مطبات من صنع قوى خفية كالمخابرات الدولية وكالماسونية وغيرهم , كل ذلك مثل تسويقا للفرضيات ولمنطق القدرية , ثم الى تضخيم كتلة المتآمرين ومقدراتهم , بقصد تضخيم قوة وأهمية من يريد التصدي لهم ولمؤآمراتهم .
الزعامة بشكل عام كانت مسؤولة عن هذا التصدي , والهدف لم يكن حقيقة قمع المؤامرة بالدرجة الأولى , انما قسر الشعب للوقوف الى جانب من يتصدى للمؤامرة شكليا , لم يكن الأمر وما فيه وما عليه الا محاولة لتكريس الزعامة , واضفاء صفة الشرعية عليها , انها شرعية المقاومة ! شرعية الدفاع عن الوطن عن طريق خلق فائض وطني , اذ لايمكن للتصدي ان يكون موجها ضد القوى المؤامراتية الخفية , التي توصف عادة بالعملقة والقوة التي لايمكن الانتصار عليها , كما تم وصف ذلك بخصوص الحرب الكونية , فسوريا بزعامتها وقفت في وجه قوى مؤلفة من حوالي مئة دولة على الأقل والدول الكبرى كانت من ضمن المئة دولة , فهل ارادات الدولة السورية فعلا الانتصار على كل تلك الدول في اطار حرب كونية , او أن المقصد آخر , مثل تبرأة الفشل , والتملص من المسؤولية , ثم تكريس مفهوم المظلومية ,كل ذلك مثل خللا فكريا سياسيا عسكريا اجتماعيا وشللا في التعامل مع الواقع , كل ذلك مثل ويمثل مقدمة حتمية لكوارث أعظم مقبلة.
تتمظهر المؤامرة وكأنها سقطت من السماء على الأرض أو انها صناعة سماوية على الأرض , ولدت في ظل العرف والعادة والتقاليد الدينية , التي وجدت في بعض المجتمعات فضاء غيبيا مناسبا لمفهوم المؤامرة ومتسما بممارسة النقل وحذف العقل , فالمؤامرة لاتعتمد على العقل المحلل ,الذي يسأل عن الجهة التي تحتاج للمؤامرة , هل هي الجهة المتهمة بالتآمر ! , أو أنها الجهة المتآمر عليها!!أغلب الظن ان الجهة المتآمر عليها هي التي تحتاج لمفهوم المؤامرة , وليس الجهة المتهمة بالتآمر , فالجهة المتهمة بالتآمر تمارس التنافس والتناحر علنا , وتحاول الحفاظ على مصالح الدولة المسؤولة عنها .
ظاهرة التنافس والتناحر من طبيعة الانسان , وبالتالي من طبيعة المجتمعات البشرية , واقعيا ليس كل جهة قادرة على التنافس , الذي قد يكون سلميا وقد يصل الى ممارسة الحروب والبربرية والقتل , لاوجود لوسيلة لايتمكن مفهوم التنافس من تبريرها , عدم مقدرة العديد من الدول والمجتمعات على المنافسة باشكالها المختلفة دفع الجهة المتآمر عليها للاحتماء بالمؤأمرة , فالمهم في هذه الدول والمجتمعات هي الزعامة التي تلحق الأوطان بها , الأوطان لخدمة الزعامة وليس العكس , ومفهوم المؤأمرة يقوي الزعامة , الغير مهتمة بالدولة , فالدولة لاتتقوى بمفهوم المؤأمرة , وكل الدول التي مارست التضليل بالمؤأمرة تأخرت وضعفت بدون استثناء .
يمثل التنافس جوهر العلاقات الدولية , ومن لايتمكن من المنافسة يخترع المؤأمرة , المنافسة تهدف الى المزيد من القوة , وتحقيق المزيد من القوة يخضع الى آليات مختلفة حسب الزمان والمكان , وقد تطورت الآليات مؤخرا من صراع الايديولوجيات الى الحروب ثم الى الاقتصاد , هكذا يحارب الغرب اردوغان تركيا اقتصاديا ويحارب بوتين روسيا اقتصاديا , تكمن مشكلة دول الشرق بكونها غير قادرة على التنافس بالأساليب الحالية اي بالاقتصاد , ولم تكن قادرة على التنافس بالأساليب الأقدم , أي بالحروب , ولم تكن قادرة على المنافسة بالأسايب الأقدم من الحروب اي الايديولوجيات , لأن هذه الشعوب لم تملك الايديولوجية الفعالة ولم تملك السلاح والآن لاتملك التقنيات الاقتصادية , وبخصوص الايديولوجيات كان اللجوء الى التفكير الديني من أسوء الخيارات , التي قادت الى تفاقم الضعف , وتفاقم الضعف الأعظم تجلى في الاعتقاد المعتوه بأن الدين هو الحل , هكذا التبس الأمر على المؤمنين , فالدين لم يكن الحل كما ظنوا وبعضهم يظن ذلك حتى الآن , لقد كان الدين ممثلا للانحلال , الذي نراه اليوم, كان ذلك توظيفا لسلاح انتحاري قضى بالدرجة الأولى على مستخدميه .
لاوجود لشعوب لاتملك اي قوة , وشعوب هذه المنطقة تملك بدون شك قوة , الا انها لم تستخدم هذه القوة بالشكل المناسب والوقت المناسب , الصحوة الدينية لم تكن الشكل المناسب في الوقت المناسب , عسكريا لم تكن العسكرة وتبديد أموال الميزانيات الشكل المناسب في الوقت المناسب , وفي الحرب الاقتصادية كان الفشل الأعظم , فبدلا من تصدير السلع تم تصدير اللاجئين وتطفيش المتعلمين والفنيين والتقنيين , وبذلك القضاء على المقدرات الخالقة للنمو الاقتصادي , كيف يمكن منافسة الغير اقتصاديا عند الفشل في المنافسة مع الجوع ؟
هناك العديد من نقاط التشابه بين مفهوم المؤآمرة وبين وعد المقتدر في السماء للأمة بالنصر , ان تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم, وهل المقتدر على كل شيئ بحاجة لمن ينصره ؟, أو أن المقصود كان وكلاء القدير على الأرض , ان تنصروهم ينصروكم , كيف يمكن نصرة الوكلاء ؟؟ , لايمكن نصرة الوكلاء سوى بالاستسلام لهم , هنا تمثل انتصار المؤمنين بانكسارهم امام وكلاء السماء,الذين يروجون بدون توقف للموآمرة ولرب السماء للاحتماء بهم, لم يدركوا لحد الآن ان المؤامرة ورب السماء لايحموا أحد .
الضعيف المغلوب على أمره هو عادة العاجز عن ممارسة المنافسة بأي شكل من أشكالها , وهو بنفس الوقت المروج للايمان وللمؤآمرة , الدليل هنا هو انتشار الايمان والتدين الى جانب انتشار الفكر المؤآمراتي بين المؤمنين بشكل وباء , ومن المنطقي ان يعاني هؤلاء من التأخر والفقر كنتيجة حتمية للجهل والانغلاق وفروض الجهاد وغير ذلك من المفروض دينيا ومؤأمراتيا , بذلك تحولت الحياة الى حرب مفتوحة مع العالم الى يوم القيامة والى هزائم الى يوم القيامة
