آفاق داعشية ..

مفيد   بيطار :

    ليس للظن بأن داعش المتجذرة في الوعي الجماعي الديني ستتبخر تحت وابل القنابل أي ركيزة عقلانية أومنطقية , فداعش متعشعشة في اللاشعور الاجتماعي والديني منذ قرون , وكون اسم هذه الظاهرة “داعش”  جديد ،لايجعل منها ظاهرة جديدة ،،ثقافة داعش   حاضرة  بحلابية وروح اسلامية منذ فجر الاسلام ، لا جديد في عنف داعش الا أنواع المتفجرات  والاسلحة  والرغبة    في   تسجيل مشهديات   البربرية   على   اشرطة ،   ذلك  لم   يكن   معروفا معروفا قبل 1400 سنة.
 لالزوم للاطالة بخصوص ثقافة داعش المزمنة  والغارقة   في   القدم ،أما بخصوص ضرورة اجتثاث داعش,  فقد  كان هناك  قرارا دوليا   بسحق   داعش   عسكريا  , لذلك  تم  قذف   داعش  بالقنابل والصواريخ  من الجو ومحاربتها على الأرض،  نجحوا في تدمير مركزيتها وقواتهاالنظامية ،الا أن 
 الخبرة مع تدمير مركزية العصابات المتجذرة تراثيا وفكريا وعقائديا والمحتضنة من قبل فئات من الشعب تقول، بأن الانتصار على داعش لايمكن له أن يكون  أكثر من تفتيت داعش ،  لينتج   من   الفتات آلاف داعش صغيرة دون مركزية , ميكرو    داعش !, وهذه الدواعش تستمر بالعمل    بالنشاط الارهابي كجماعات صغيرة تنفذ عمليات هناوهناك   وهذا   ماحصل  , أي  ممارسة  مايسمى الحرب الغير متناظرة ، التي  لايمكن   لجيش نظامي أن يسجل بها نصرا نهائيا يقود الى استسلاما جماعيا  لها  , التآكل والاستنزاف هم من   أهم  عواقب  هذه الحرب التي قد تستمر عشرات السنين دون غالب أو مغلوب.
تحول الحرب ضد داعش من حرب شبه نظامية الى حرب غير متناظرة لايمثل التطور الوحيد الذي يمكن توقعه, كارتكاس على التفتت,  قد  يكون   هناك نشاطا توحيديا  لجمع الدواعش المبعثرة ,   ومن المألوف في هذه الحالات أن يكون للوضع الجديد أسم جديد ومفاهيم جديدة وبنية داخلية جديدة وسياسة خارجة جديدة .
حقيقة لقد ظهرت بدايات كل ذلك حتى في منتصف عام 2014،أي مع بدء نهاية الانتصارات العسكرية الغير منتظرة،  ففي أواخر عام 1914 ظهر تيار ضمن داعش هو التيار الحازمي (نسبة لمؤسس هذا المشروع )،   الذي بدأ بالصعود وبدأ نجم مشايخ القاعدة وداعش بالأفول , فالتيار الحازمي انقلب عل الجميع ووصل  بانقلابه  حتى الى حسن البنا وسيد قطب مستخدما آلية جديدة في ممارسات التكفير , انه التكفير بالتسلسل , فمن   لايكفر  الكافر   هو  كافر ,  انقلب    التيار الحازمي   حتى على ابن تيمية وعلى مبدأ العذر بالجهل  , الكافر  هو من كفروه  ,  ومن لايكفره يستحق حكم الردة أي   قطع الرقاب .
تمكن التيار الحازمي داخليا من تحقيق العديد من النجاحات , منها السيطرة على  المجالات  الشرعية لداعش ,ومنها  اصدار   الفتاوى  الخاصة بالتكفير بالسلسلة,من المتوقع أن تكون المبادئ الجديدة كالتكفير بالسلسلة ومبدأ العذر بالجهل أساسا لداعش الجديدة لربما تحت اسم جديد ..حزم.. وبممارسات    أكثر توحشا وتطرفا , داعش   الجديدة ستكون أقل عددا وأكثر أصولية من داعش القديمة .
تحطيم داعش أو تحجيمها ممكن , الا أنه من  الصعب  تجفيف المستنقع الذي ولدت ونبتت به , خاصة في زمن قصير، أي على المدى القريب أو المتوسط , فداعش ليست عصابة فقط،انما تجسيد لمفاهيم مزمنة وعميقة في القدم ، لها حاضنة شعبية لايستهان بها ، ولها تأييد ضمني وظاهري واسع من قبل الكثير من الاسلاميين , خاصة   أولئك   الذين يشتموها ويتظاهرون برفضها .
  لم  تأت  داعش وما  يمكن   أن   تتطور   اليه   الى   “حزم”  مثلا  من العدم ولا من الصدفة , فتوحش داعش هو وجه آخر لوجه توحش   المجتمعات والأنظمة الاستبدادية   منذ   فجر   الاسلام   الى   اليوم  , وليست صدفة ان تتوطن داعش  بشكل    رئيسي  في الدول التي حكمها البعث , فداعش تتشابه مع البعث في العديد من الخصائص ,  من أهمها الصيغة الاحيائية للماضي, فكلاهما يريد احياء الماضي الخلافي   الاسلامي , فحديث البعث عن اعادة احياء التراث والمجد  الوهمي ،  ليس الا حديثا عن اعادة احياء النظم الاسلامية، لأن مايريد البعث بعثه من جديد هو اسلامي بامتياز,
 لقد وفرت داعش لنفسها سندا مرجعيا من التجارب الاسلامية المتصلة بأحداث مابعد الهجرة وحتى من النصوص , فداعش تقلد ولم تبتكر أشياء رئيسية , وحتى مشهدية القتل والذبح لم تكن ابتكارا  جديدا , الجديد في هذه المشهدية هو آلة التصوير فقط .   
  أرى بأنه من الضروري لفت الانتباه الى بعض النقاط المهمة , من هذه النقاط تقييم كارثية داعش حصرا   والمبالغ  به  , لاتكمن  الكارثية تحديدا  بداعش حصرا ,  انما  بالتراث     الداعشي   بشكل   عام , والذي   يشمل  الانظمة القائمة لحد الآن  وحتى   الشعوب    ,  الشعوب    المتوحشة   انجبت   انظمة   حكم   متوحشة, أنجبت أجيالا   بدون   أفق   أو  أمل ,  وبدون  ثقافة الحرية ,   أجيالا جاهلة وبارعة   في   اذلال   الغير  وهدر  كرامته   ثم   في   ممارسة   الاستبداد , كل  مثل     أرضا خصبة   لانعاش  داعش  ، كون أصول داعش تمتد الى صدر الاسلام لايعني مقدرتها على   الاستمرار حتى هذا العصر ,الاستمرار    يعني    توفر    البيئة   المتوحشة    التي   يمكنها   احتضان   داعش   , وتدعيم   احتياطي   العنصر   البشري     لداعش  ,     تملك    البيئة   الحاضنة  فقاسات   انجاب  وتكاثر   ,  كما   أن   داعش تملك  تلك   الفقاسات .

لاتكمن   قوة   داعش   بداعش   حصرا,  قوة  داعش  تتناسب طردا مع غزارة انتاج   الحواضن    لدواعش   جدد  , وفي هذا الخصوص  لم   تبلغ   الحواضن  سن اليأس ولا يزال  الانجاب نشط   , لذلك لامناص  لمن  يريد  تجفيف مستنقع  داعش  من  سد  قنوات  الصرف  الانتاجي   التكاثري  العفن والمرضي عن المستنقع ، وهذا لن يتم الا بالتخلص من  من   الثقافة   الداعشية   التراثية  لدى   الشعوب .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *