مفيد بيطار :
تعرفت في الفترة الأخيرة على بعض مطالب البعض الغريبة العجيبة ، قرأت مقالا للسيد عبد الكريم بدرخان وتعليقا للسيد عشماوي والعديد غيرهم ، هؤلاء طالبوا الغير بالابتعاد عن استعمال اللغة العربية، حقيقة لاينحصر الأمر بالسادة المذكورين طيا ، مطالب من هذا النوع معروفة ومألوفة في الاوساط الادبية العربية ، في مقالة السيد بدرخان تم الطلب في البند الخامس منها من البعض الابتعاد عن استعمال العربية، كتب ” اذا كانت العربية متخلفة جدا ومتزمة بنحوها وصرفها والائها …فلماذا لاتحلون عن مؤخرتها وتكتبون بلغات العجم والفرنجة ، التي تجيدون نحوها وصرفها واملاء خير اجادة ، هذا خير لكم وخير لنا أكثر وأكثر وأكثر”.
يشعر من يتعرض للطرد من اللغة العربية بأن اللغة العربية ملكا للسادة بدرخان وعشماوي ، ومن يكتب بالعربية بحاجة الى عقد ايجار عقار “اللغة” مع السادة بدرخان -عشماوي ، المالكون لعقار اللغة يريدون طرد المستأجر بسبب سوء مسلكيته ،والطرد يعني منعه من استعمال هذه اللغة، كيف يمكن طردهم ؟؟
لقد غاب عن نباهة السادة المذكورين بأنه لاوجود لمالك لاي لغة كانت ، اللغة مشاع وليست ملكا لأحد ،واللغة واي لغة تشكر من يستعملها، أي يتحدث او ويكتب بها ،كالأرض المشاع ، التي تشكر من يزرعها ، فوجود اللغة مرتبط مع وجود من يتكلمها ويكتب بها ، انتفاء وجود هؤلاء هو اشارة الى انتفاء وجود اللغة اي موتها أو انقراضها.
تدل مطالب من نوعية مطالب عشماوي -بدرخان على تأزم من يدعي ملكية اللغة ، وبالتالي تأزم أو أزمة اللغة ، لا عجب في ذلك ، اذ أن اللغة وقيمتها ومكانها هي ترجمة لمكانة وقيمة من يدعي ملكيتها ، حتى لو كان ادعاء الملكية زائف ، من يتكلم العربية الآن يتواجد في أزمة متعددة الوجوه ، وأحد الوجوه هو الوجه الديني السياسي ، الذي رفع من ناحية من مقام اللغة عن طريق تقديسها كتقديس الدين ، من ناحية أخرى أضر التقديس باللغة كما أضر بالدين ، لأن التقديس جمد اللغة وجمد الدين وحجرهم وأعاق تطورهم وتقدمهم .
تنقرض اللغة عندما ينقرض من يتكلمها حضاريا ، لذلك فان اللغة العربية مهددة بالانقراض كغيرها من اللغات العشرين الذين ينقرضون كل سنة ، وكنصف لغات العالم البالغ عددهم ٧٠٠٠لغة , هذا النصف سينقرض يحلول عام ٢١٠٠ ، كما تدعي اليونيسكو،لا أكثر من ظاهرة انقراض اللغات، يقول مركز الدراسات الاقتصادية النمساوي بأن معدل انقراض اللغات عال جدا ويقدر بانقراض لغة كل اسبوعين تقريبا، أمر صعب التصور! ، أي حوالي ٢٠ لغة سنويا ، اللغات التي يتحدثها أقل من ١٠٠٠ شخص ستنقرض ، والتاريخ برهن عن انقراض لغات تكلمها الملايين كاللغة اللاتينية ، لغة الأمبراطورية الرومانية.
تعود المخاطر المحدقة باللغة العربية الى نوعية حمولة هذه اللغة فالجمل بما حمل ، والحمولة الدارجة والمطلوبة في هذا العصر هو الحمولة العلمية ،لا علم يعني لاحمولة , وبالتالي تقهقر وتدهور وانقراض، حمولة الشعر والنثر والقدح والمدح والهجاء ليست كافية في هذا العصر العلمي للحفاظ على لغة وعلى حيوية هذه اللغة.
النظرة للعربية هي كالنظرة للدول العربية وكالنظرة للدين أو بالأحرى الاسلام السياسي ،القاسم المشترك بينهم هو الأزمة، ثم الميل الى الانقراض ، وابتلاء اللغة والمجتمعات العربية بداء التفاخر المعاوض ، التفاخر يعيق النقد وبالتالي يفشل محاولات التجديد ، التجديد هو الأمر الحيوي الوحيد في حياة الانسان ، وموت التجديد هو ترجمة لموت الانسان .
لم يكن نقد اللغة العربية موجها بالدرجة الأولى الى اللغة بحد ذاتها ، فكل لغات العالم قادرة على تخديم التفاهم بين الناس والتعبير عن مشاعرهم ، القصد من النقد كان حمولة هذه اللغة (الجمل بما حمل )، وتحميل اللغة يتم عن طريق مستخدميها ، أي الناس ، وعندما يتجمد المحمول ولا تتغير وتتطور مضامينه ولا يضاف اليه الجديد والأفضل ، تتجمد اللغة وتتكلس ، وتطورها يميل عندئذ الى التآكل والاضمحلال ، الحمولة التي تحتاج الى النقل على ظهر اللغة في هذا العصر هي العلم ، مقارنة مع شعر الفخر والقدح والمدح المعروف عن شعر العصر الجاهلي .
لاحاجة للغة أو حتى التكلم عند مخلوق لم يعد له مايقوله ،ومن له أن يقول في عالم اليوم، هو من يتمكن من التأثير على عالم اليوم ، أي من يتقدم الصفوف الصانعة لحضارة اليوم ، التي تتميز بكون معظم أو كل مضامينها تقريبا ،العلم أولا والعلم آخرا .
مقال السيد بدرخان مشحون بالسخرية ، التي لاتنقص من قيمة مقال ما ، السخرية اسلوب شيق وممتع أحيانا ومصيب أحيانا أخرى ، ثم أنه فعال في معظم الحالات ، لقد أعطى الكاتب التفاخر باللغة مرتبة لاتستحقها هذه اللغة ، فالتفاخر ضار عندما يكون أجوف ، هو مصنع انتاج الشخصية الفهلوية،ومن المعروف عن الشخصية الفهلوية مبالغتها في تقييم الذات وحرصها على اظهار الذالت بمظهر المقتدر على كل شيئ ثم الادعاء بمقدرة الفهلوية على ضبط الواقع والتحكم به ، اضافة الى ذلك ، هناك عند المتفاخر الفهلوي العربي جنوح الى تبرئة الذات من أي مسؤولية ، ثم الميل الى استخدم لغة مصابة بورم المبالغة الخبيث .
استخدم بدرخان عبارات مثل “وهل يؤثر على مرور السحاب نباح الكلاب “، تحدث باسهاب عن البغال وعن شعراء الفيسبوك وغير ذلك ، مما لايتناسب مع التمكن من اعطاء مقاله مرتبة “الجدية”,، بممارسة السخرية حاول الكاتب القفز الى مرتبة الجاحظ الأخصائي في التهكم والسخرية ، الذي وجد في كتابة التربع والتدوير مقاما مرموقا ، الا أن الجاحظ لم يكن ساخرا مسطحا , انما فيلسوفا بعمق ، امتلك الجاحظ لباقة نادرة في الحديث، وهل حديث السيد بدرخان عن البغال وتلاميذ الابتدائية واتهاماته الغريبة العجيبة لللاجئين بـأنهم يشوشون بمفرداتهم الخمس عشر على لغة الأم فلسفي أو جدي منطقي ؟,.
