ممدوح بيطار:
هناك فروق بين العدل والعدالة ,باختصار يعتبر العدل شكلا قانونيا , بينما العدالة جوهرا للانصاف , كل ذلك مؤسس الى حد ما , على فكرة أو مفهوم المساواة , لايميز العدل بين أم تسرق لتطعم اولادها وبين لص يسرق مدفوعا لذلك بالجشع , العدالة تميز بين اللص والأم , ارسطو تطرق الى هذا الموضوع مؤكدا على مبدأ المساواة الذي عليه ان يكون القاعدة التي يؤسس العدل عليها ( العدل في المساواة ),القانون الذي عليه تحقيق العدل , لايحقق العدالة في كل الحالات .
للعدالة اشكال مختلفة مثل العدالة الاجتماعية او الاقتصادية … الخ , ثم هناك العدالة الانتقالية حديثة الولادة , انها مفهوما حديثا وجديدا على العلوم الاجتماعي والعلوم الحقوقية , تختص العدالة الانتقالية بالدرجة الأولى بمشاكل المجتمعات , التي مارست انتهاك حقوق الانسان , والتي تعاني من نقص في ممارسة الحريات وفي تطبيقات الديموقراطية .
المفهوم حديث , ولم ينضج بعد بالشكل المطلوب , المفهوم يعاني ولاديا من تضاد او تناقض بين دلالات جزئه الأول ودلالات جزئه الثاني ,فدلالة “الانتقالية ” , لاتستقيم مع مفهوم العدالة , لأن مفهوم العدالة دائم ببعده الانساني والاجتماعي , ولا يجوز اصلا ان يكون مرحلي , يستعصي مفهوم العدالة الانتقالية على التحديد , فالعدالة الانتقالية هي جملة الاجراءات في مرحلة الانتقال الديموقراطي , هدفها كشف الحقيقة حول ممارسات العبث بحقوق الانسان سابقا , ثم المحاسبة الغير انتقامية لمن اساء لحقوق الانسان , القصد من كل ذلك كان التمكن من طي صفحة الماضي والتصالح مع التاريخ ثم الانتقال الى مرحلة أو حقبة جديدة تتميز بالديموقراطية , هناك العديد من تعاريف العدالة الانتقالية , وهناك تعريف خاص بالأمم المتحدة , لا أجد فروقا جوهرية بين كل تلك التعاريف ,
العدالة الانتقالة محددة زمنيا أي انها ليست مفتوحة , انها وسيلة مرحلية تهدف الى تجاوز التشفي والانتقام والعدائية الاجتماعية , وتجاوز تراكمية السلبيات بقصد البدء من جديد بروح تعاونية تضامنية جديدة بعيدة عن ثقافة الثأر والضغينة , الثأرية البدوية والعنف البدوي غير مؤهل لممارسة العدالة الانتقالية , فالمهم في العدالة الانتقالية ليس الاقتصاص بالدرجة الأولى , انما اعادة البناء الاجتماعي بشكل يسمح ببداية سياسية حقوقية ديموقراطية انسانية جديدة, وقد نجحت تطبيقات العدالة الانتقالية في العديد من الدول مثل اليونان بعد الانقلابات العسكرية وتشيلي بخصوص بينوشيه ثم يوغوسلافيا والعديد من الدول في أمريكا الجنوبية,
مرت العدالة الانتقالية بعدة أطوار , الطور الأول كان دولي الطبيعة , مثلا في محاكمات مجرمي الحرب العالمية الثانية في نورنبرغ وطوكيو , ترافقق تطبيق العدالة الانتقالية بما هو أهم من محاكمة مجرمي الحرب , لقد ارسيت قواعد الديموقراطية في المانيا وفي اليابان , مما قاد الى تقدم المانيا واليابان وتحولهم الى قدوة عالمية بخصوص نزاهة الحكم وديموقراطيته .
الطور الثاني كلن طور الحرب الباردة , هنا اصيبت العدالة الانتقالية ببعض الركود , الذي تجلى بتجاهل العديد من الجرائم والمخالفات الخاصة بحقوق الانسان , والتبرير كان حالة الصراع بين المعسكرين , الصراع انتهى مبدئيا بانهيار الاتحاد السوفييتي , لم تتميز هذه المرحلة بمحاكمة من أساء لحقوق الانسان , وبشكل عام لم تترافق بالابتعاد عن نموذج الشمولية والديكتاتورية في ممارسة الحكم …. حبل الجبل وانجب فأرا , وبوتين هو الممثل النموذجي لهذا التطور , البوتينية ابتدعت ومارست للعديد من السنين التناوب في رئاسة الدولة ورئاسة مجليس الوزراء بين بوتين وميدييف , الى أن استتب أمر بوتين في رئاسة الدولة الروسية مدى الحياة , مطبقا بذلك ما سماه المنصف المرزوقي مفهوم “الجملوكية ” المتميز بالجمع بين الجمهورية والملكية , البوتينية مارست بشكل فاضح الاعتداء على حقوق الانسان ثم استصدار القوانين المبررة لهذه الاعتداءات من الدوما او مجلس الدمى ..
تميز الطور الثالث للعدالة الانتقالية ببداية تسعينات القرن الماضي , والبداية كانت في يوغوسلافيا , هنا ولدت عدة مبادئ وممارسات منها التدخل العسكري الغير مشرعن من قبل مجلس الأمن , ثم اختراق الحصانة الداخلية للدولة , اذ ليس في ميثاق الأمم المتحدة ما يسمح بتدخل المجتمع الدولي بالشؤون الداخلية لدولة عضو في الأمم المتحدة , بالرغم من ذلك تم التدخل في يوغوسلافيا , ثم اتت مشكلة رواندا التي أكدت الحاجة للتدخل , هنا اريد التلميح الى أن اختراق حصانات الدول تم في فترة بطرس غالي كسكريتير للأمم المتحدة …
لم تخترق العدالة الانتقالية حدود العديد من الدول العربية , ولم تستكمل العدالة الانتقالية صورتها في أي من الدول العربية , فالعدالة الانتقالية الجزئية التي حققها الطائف في لبنان تتهاوى تحت تأثير العلة التي شرعنت ترقيعة الطائف , لم ينتقل الجزائر الى الديموقراطية بعد الحرب التي اندلعت في الجزائر بعد عام ١٩٩٢ , لم تتغير أحوال العراق سوى الى الأسوء , الأوضاع في السودان قلقة , وبقية الدول العربية تعاني من ذات المشاكل … لم يتم التصالح ولم تتم محاكمة من اساء لحقوق الانسان ولم تتم اقامة مشروعا ديموقراطيبا , بعكس اليونان بعد الانقلابات العسكرية وبعكس تشيلي بعد بينوشيه وبعكس الدول التي اقيمت على جغرافية يوغوسلافيا السابقة … للأسف لم تكتمل التجارب العربية بخصوص العدالة الانتقالية
