ممدوج بيطار ,ربا منصور :
يتحدث الرؤساء والاولياء والزعماء من حملة الشهادة الثانوية عن الثوابت, التي يجهلون حتى الدلالات المعجمية لها , ويقصدون بها ممارسات ونظرات ثابتة غير متغيرة لامور الحياة المتطورة والمتغيرة باستمرار , التناقض بين استمرارية التطور والتغير وبين ثبات النظرة والممارسة ينفي صفة الفكر عن منهجية الثوابت , أي لافكر في الثوابت , لأن الثوابت لا تتطلب التفكير , الثوابت حالات قطعية جامدة ,والفكر سائل متبدل اللون والطعمة والرائحة واللون في كل زمان ومكان ,ينصح الجهل بعدم السؤال “يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤك” ثم ينصح بالسؤال “فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لاتعلمون “وما هي دلالة أهل الذكر!, وما هي مؤهلاتهم التي ترغمنا على سؤالهم !, وبماذا يتميز هؤلاء عن غيرههم باستثناء الجهل والغباء والنفاق الذي احتكروه بدون منازع .
معظم الثوابت ديني المصدر , لذا يمكن القول , ان الثوابت مرعبة في دينيتها وتأخرها وقطعيتها , التفكير ينتج فكرا متغيرا ممثلا لشروط الوجود الأساسية …أنا أفكر ,اذن أنا موجود!!!! , يتناسب عمق التأخر الفكري مع كثرة الثوابت, لذا يمكن اعتبار الدين خال من الفكر ,لأن الدين عموما مكون من ثوابت , والفكر لايقبل الثبوت , حال الفكر القومي العربي بثوابته الكثيرة لا يختلف عن حال الدين , مع العلم بأن الفكر القومي عموما ديناميكي , الا أن الفكر القومي العربي لايشبه الفكر القومي عموما خاصة الأوروبي , انما يشبه الدين بشكل خاص , انه دين قبل أن يكون فكرا قوميا تقليديا , كالفكر القومي عند الشعوب الأخرى , لذلك يمكن القول ان مايسمى فكرا قوميا عربيا خال من الفكر تقريبا , وهذا ما يلاحظ على نتائج ونتاج هذا الفكر على مدى القرن الأخير.
الأحداث التي يطلق عليها الرؤساء والأولياء اسم “ثوابت” , غريبة جدا , انها في أحسن الأحوال اهدافا سياسية ضيقة جدا وضارة جدا في معظم الحالات ,كأن يقال أن مساندة حزب الله لحماس كان ثابتا من الثوابت القومية , والنتيجة كانت تهديم لبنان , وهل يجب ان يكون تهديم لبنان ثابتا من الثوابت !,في مناسبة اخرى تمت مساندة حماس ضد فتح وفي مناسبة ثالثة تمت مساندة فتح ضد حماس وهكذا سميت الخطوات السياسية بغير اسمها الحقيقي ,الأمر مشابه في حرب 1982 ,وكيف انتهى الدفاع عن لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية ؟ لقد انتهى بنزوح حركة التحرير الى تونس وبمذلة الهزيمة , التي لحقت بمن حرض على هذه الحرب الغير مدروسة وبمن خاضها ,ولطالما لم تؤد الحروب التي اندلعت تحت أحد شعارات الثوابت ” لاصوت يعلو على صوت المعركة” الى استرداد بعض الأمتار من الأرض والكرامة المسروقة , لذا يمكن القول ان دفع الثمن الباهظ من قبل الشعب كان من أجل لاشيئ ,الرؤساء والأولياء والزعماء لم يدفعوا شيئا وانما حصلوا على الكثير من المال ومن الاستمرار في الجلوس على كراسي الاستغلال والابتززا والفساد .
السيئ في التاريخ العربي بشكل عام هو الوهم و نوع من التثبيت على قيم وأهداف وطموحات وهمية , دفع الشعب ثمنها دما ومالا ووجودا, السعر كان حقيقي, أما الطموج المعلن فقد كان وهمي , لقد خاض العرب العديد من المعارك تحت شعارات ورايات وأهداف مختلفة ومتعددة , وتحت قيادة أنظمة خلطت الأوراق بهلاوانيا بشكل أداخ المواطن , الذي لايعرف لحد الآن بشكل قطعي , ان انتصر العرب او انهزموا في تلك الحروب المكلفة , لم يتمكن المواطن من التفريق بين النصر والهزيمة , ولا بين التحرر والاستبداد , دائخ حائر هائم , لايعرف مايكفي عن مفهوم “الهوية ” ولا عن الأهداف الوطنية,التي يسميها البعض مزاجيا أحيانا ثوابت , وبعد فترة تسمى خيانات , كل ذلك الغموض أدى قاد الى شعور المواطن بأنه يخضع في وطنه الى نوع من الاقامة الجبرية , وبالتالي تآكل شعور المواطنة عنده .
الثوابت القومية المزورة والمصابة بمرض عشق الذات النرجسي وبضرورة التضليل التي تفرضها النرجسية القومية , أضعفت الشعور بالمواطنة, وبشكل أعمق وأكمل أثرت الثوابت الدينية على تأصيل ثقافة المواطنة سلبيا , باعتبار الدين هو الوطن وليست الأرض اي التراب والطين كما قال القرضاوي , انه من الصعب انكار وجود تعارض بين المواطنة ضمن معطيات الدولة الحديثة وبين الرأي الفقهي بخصوص المواطنة , كل تلك الظروف والحيثيات حالت دون تأصيل ثقافة المواطنة ,كل ماذكر وغيره دفع محمد عبد الجابري للقول, في البلاد العربية لاوجود للمواطن ولا للمواطنة ولا للوطن ..
