الديكتاتور العادل , بين حق القوة وقوة الحق ..
ميرا البيطار :
مدلولات مختلف الشعارات والمفردات في هذه البلاد متباينة جدا , مثلا لم يكن لمفهوم “الاستبداد “في المرجعية العربية القديمة ذلك الوقع السلبي مقارنة مع مدلولاته في المرجعية الأوروبية, عربيا يقال ان العاجز هو من لايستبد , خلل مفهوم العدل والحق أكبر وأعمق , فعربيا لاحاجة لتطبيقات العدل والمساواة , التكاذب الذاتي كاف ويكفي اطلاق الشعارات وممارسة نرجسية المديح الذاتي للشعور بممارسة العدل والعدالة , يكفي مديح العهدة العمرية , لكي تتألق هذه العهدة في سماء المثاليات , انها العدل المطلق , العدل ومفهوم الحق عند العرب تخيلي وشخصي بمعظمه , ولايخضع الى أحكام الموضوعية أو المنطق , أظن بأن عدم تجانسه وتناقضه الداخلي يعود الى خلط مفهوم “حق القوة ” البدوي , مع مفهوم “قوة الحق ” الغربي …
اعترف المشايخ في العديد من المقابلات , بأن عدد شهداء المسلمين بلغ في سياق فتح بلاد الشام مئات الألوف من الصحابة والمؤمنين , الذين رووا أرض بلاد الشام بدمائهم الذكية ,واذا بلغ عدد شهداء بدو الجزيرة مئات الألوف , فكم من المتوقع أن يكون عدد فطايس الجهة الأخرى, التي دافعت عن بلاد الشام ضد الغزو والاحتلال البدوي , لايشفع في تقسيم المتحاربين الى شهداء وفطايس سوى اعتبار بلاد الشام أرضا تخص ملكيتها للبدو , الذين حرروها من استعمار سكانها لها , انها لهم لأنهم دفعوا ثمنها بدمائهم الذكية, هذا هو مفهوم الحق البدوي المبرر لفنائم الحرب قديما وللتعفيش وللفساد حديثا ,الحق البدوي لايأبه بالسؤال ,وماذا عن دماء سكان بلاد الشام ومذابيح ابن الوليد؟
العدل البدوي الحجازي المطلق ومن يقف من غير البدو الى جانب البدو , يعتبر عمر ابن الخطاب على سبيل المثال رمزا للعدل والحزم وللديكتاتور العادل , ولكن من الصعب ان يكون الفاروق الحربجي والممارس لاستعمار شعوب أخرى عادلا , فموضوع الاستعمار والاحتلال مطلق في عدم عدله ولا يجوز تطبيق النسبية عليه , كأن يقال ان الخلافة حق كاستعمار , لأنها أفضل من روما كاستعمار , لقد نال أهل بلاد الشام حقوقهم عن طريق استعمار بدو الجزيرة لهم , فالفتح العربي كان من أرحم الفتوحات وموضوع الحق ارتكز هنا على مستوى سفلي , مضمونه تحقيق الاستعمار البدوي لسكان بلاد الشام شكلا حياتيا مفرحا وذلك لأن البدو أرحم من الرومان , المستوى الأعلى كان تحقيق الفتح لحق البدوي في سرقة غيره , البدوي سعيد بنجاحه في تملك بلاد الشام وأهل بلاد الشام سعداء بتملك البدو للوصاية عليهم …الجميع سعداء …هكذا يتخيل العقل البدوي العربي الأمر
أصل مفهوم الديكتاتور العادل فارسي وتأسيس الكيان الساساني كان على يد الديكتاتور العادل أردشير, الذي وحد الدين والسياسة على مبدأ الدين والملك , فالدين أساس والملك يحرس الدين , والثورة على الملك توازي الثورة على الدين , فالمستبد كان ضرورة دينية قبل كل شيئ , ولا أظن بأن أمر الاستبداد قد تغير جذريا في القرون العديدة السابقة , لايزال الدين مصدرا رئيسيا للاستبداد , و اصل الاستبداد السياسي الذي تمارسه السياسة هو ديني بامتياز .
مصطلح الديكتاتور العادل المؤلف من كلمتين بمعاني ودلالات متعاكسة مثير للجدل والشكوك , فالعدل لايمكن أن يكون قرينا للديكتاتورية , ولا يمكن للديكتاتورية أن تمارس العدل , هناك من يجد للديكتاتور العادل مكانا في التاريخ والحياة , وهناك من يجده خارج كل تصور مقبول , فالانسان الواعي لمضامين الديكتاتورية لايتمكن بشكل من الأشكال أن يتصالح مع مفهوم الديكتاتور العادل , بالرغم من ذلك اقتنع مفكران عربيان بمفهوم الديكتاتور العادل , لقد كان جمال الدين الأفغاني أحد المروجين لهذا المفهوم والآخركان محمد عبده الذي قال “”لا يحيا الشرق بدوله وإماراته إلا إذا أتاح الله لكل منهم رجلا قويا عادلا يحكم بأهله علي غير طريق التفرد بالقوة وبالسلطان”” .
عموما يرفض المتأثر بالحضارة الغربية هذا المفهوم , وأحيانا يتقبله الديموقراطي العارف بالنفسية العربية والعارف بتاريخ المنطقة وبما انجزه محمد علي باشا من تغيرات حياتية وعلمية جوهرية نقلت مصر الى عصر أفضل, وذلك بالرغم من مذبحة المماليك , آخر هو مهاتير محمد , الذي لاتنطبق عليه معايير الغرب بخصوص الديموقراطية , وتنطبق عليه مضامين المصطلح المتناقض “”الديكتاتور العادل ” الذي حقق لماليزيا الازدهار والتقدم وقادها الى مزيد من الديموقراطية , حولته من ديكتاتور عادل الى حاكم ديموقراطي , أتاتورك ايضا كان ديكتاتورا عادلا قاد البلاد الى شكل مقبول من الديموقراطية , التي قام بها بعده بحوالي ٢٠ سنة فرانكو في اسبانيا.
لايمكن التعويل على الديكتاتور العادل , ولايمكن بشكل قطعي نفي صفة العدل بشكل تام عن الديكتاتور العادل , فبتحفظ كبير يمكن القول بأن ناصر كان في الخمسينات ديكتاتورا عادلا , الا أن الناصرية سرعان ماتحولت الى تخديم فكرة “الدولة المؤجلة”, من ناحية الممانعين المقاومين وشعاراتهم كان من الضروري تأجيل كل شيئ , حتى تأجيل ممارسة أدنى أشكال الحرية , فقهر المواطن كان ضروريا لتقويته الحكم الذي سيحرر فلسطين ,
من أهم اختلاطات الديكتاتور العادل تنكص ديكتاتوريته الى ديكتاتورية الدولة المؤجلة واستبدال “شرعية الانجاز ” بشرعية ” الاعجاز ” و شرعية “التوهم والانتظار ” , لم يؤجل ديغول معالجة فوضى الجمهورية الفرنسية الرابعة بعد الحرب العالمية الثانية , وانتهى الأمر بالجمهورية الفرنسيية الخامسة(الديغولية ) , ولم يؤجل فرانكو اعادة تأسيس الملكية الشكلية بل أقامها , ولم يؤجل أتاتورك اقامة الدولة العلمانية بل أسسها ,
كل ماذكر يبين اختلاطات مغامرة الديكتاتورية العادلة ونجاحاتها التي توازي فشلها , وبالرغم من ذلك لابد من التنويه الى بعض مصادر فشل الديكتاتورية العادلة , فمضمون المصطلح متناقض ومكون من أضداد , الأول هو العدل الذي لايمكن له أن يتزاوج مع الديكتاتورية , فالديكتاتورية بطبيعتها لاتمارس العدل , هذه الضدية انتقلت الى المجتمع , الذي يعرف عدة تيارات ,الأول كان التيار المنتسب الى مفاهيم الغرب , التي لايمكنها أن تتصالح مع أي مفهوم ديكتاتوري , والتيار الثاني كان التيارالديموقراطي العملي , الذي ينتمي أيضا الى المفاهيم الغربية , الا أنه مدرك لطبيعة المجتمعات العربية التي تعيق التأقلم مع العديد من المفاهيم , قدوة هذا التيار كان العادل محمد علي باشا , الذي نقل مصر الى عصر أفضل بالرغم من ديكتاتوريته .
Post Views: 462