ممدوح بيطار :
ولكن من الملاحظ أن الزمن العربي انتهى , ليس على يد اعداء العروبة , انما على يد العروبيين , انتهى الزمن الاسلامي ليس على يد اعداء الاسلاموية , انما على يد الاسلاميين ,كلاهما ينازع ويتواجد في مرحلة النشوة قبل الموت الانتحاري , طال انتظار الربيع واكتملت شروط الحاجة اليه , أتى متأخرا , خير أن يأتي متأخرا من أن لايأتي , اتى ولقي نحبه على الاستعصاء الديني والعسكر والعنف , استعصاء تم بألة الآية والحديث والنفط , الذي اختطف الربيع , اغتال الاسلام السياسي الدين وجرده من روحانياته وبالتالي من صفته كدين , عروبة منتحرة أعيت العروبيين وانهكتهم , قضي عليها والتغى وجودهم , حتى الوجود العضوي منه مهدد بالجوع … .
ألاحظ بأنه لامضمون لتطور العروبة الاسلاموية سوى التأخر , او بالأحرى التنكص الى الوراء , سوى العنف والقتل والدمار والظلم والمظلومية , اسلامية دنيوية مسلحة بالآية والحديث , بالوهابية والخمينية وبعبقرية بتر الرؤوس , التي لم يقبلها العقل والضمير البشري حتى في زمان هلاكو وابن الوليد , علينا الآن العيش مع تفاقمها في حاضر يحتشد به كم هائل من البربرية , حاضر تكثفت به الحيوانية , عار على الماضي عندما يكون هذا حاضره , عيب أن يولد مخلوقنا في الماضي ويقبر في الحاضر , عيب ان يتحول الحاضر الى مقبرة بحجم الأوطان , من يرى هذا الحاضر البائس قد يتفهم حتى محاولة بعث الماضي من جديد والاستنجاد به, فالحاضر اشد كارثية .
لم تفض عواصف السنين الأخيرة الى رسم مسار ووجهة جديدة , تاهت وضاعت في الخرافات والخزعبلات وفي الحروب , التي التهمت العقول , الشيئ الجديد هو مشاكل جديدة , والربيع الذي كان عليه حل المشاكل القديمة استقال أو أقيل وأصبح عاطلا بالمطلق , فلا قدرة على التخلص من الخلل القديم, ولا قدرة على ازاحة الخلل الجديد , فمن يفكر الآن في الحرية والديموقراطية ! , بعد أن انفجر الجوع كدملة في المعدة !!! ,.
تكاثرت المشاكل وتسارع الانحدار الى الأسفل , تعاظم العنف والتطرف والنزعة الانتقامية التدميرية , ثم التفتيت والتجزئة على كل المستويات …جغرافيا , نفسيا …اجتماعيا , انسانيا واقتصاديا , الدمار تحول الى سيد الموقف الى جانب سيد آخر هو فقدان الأمل وموت الأفق , لا أمل ولا أفق منظور في بيئة ملبدة بغيوم غبار الحروب والعنف , بيئة ترغم على تجرع سموم الغيبية الدينية والغيبية السياسية , التي غيبت الوجود الانساني لهذه الشعوب , عادة يكون الاعتراف بفقدان الأمل وانعدام الأفق محفذا للتفكير بطرق أخرى وللعمل بأساليب أخرى , الا في هذه المنطقة , حيث فقد الأمل وفقد الأمل بالأمل , مصرون على الاستمرار بالانهيارات حتى النهايات المتمثلة بالموت والاندثار .
كان القرن الماضي قرن الالتباسات بما يخص امر العرب ووحدتهم واسلامهم وخلافتهم ورموزهم ومحاولة بعث ماضيهم من جديد, نجح الاسلام العروبي والعروبة الاسلامية في تحقيق مضامين هذا البعث الجديد , والآن لدينا حاضرا ممثلا للماضي ادق تمثيل وحتى أسوء من الماضي , حاضر يتنفس غبار الحروب ويستنشق روائح الجثث, ولا يختلف عن داعس والغبراء أو صفين او الجمل او كربلاء , نجحوا في البعث والنقل , الا ان خيبة الأمل , بالرغم من هذا النجاح المبهر , على اعظمها , ظنوا بأن الماضي الذي نقلوه “خلاصي” , وتبين بأنه ليس خلاصي , انما ” انتكاصي “, واذا كان لهذا الماضي في سياقه التاريخي بعض المبررات وبعض الظروف التي قادت الى قيامه والى قيام امبراطورية الذل والاستغلال والنخاسة والعبودية , امبراطورية السبايا والجواري , امبراطورية من أسوء الأمبراطوريات , أما الآن فالأمر مختلف ومتخلف , فلا أمبراطورية تدر الجزية , السيوف صدأت , وحتى سلب ونهب الغير الغريب لم يعد ممكنا , الآن هناك السلب والنهب الذاتي …. يسرقون بعضهم البعض , ويذبحون بعضهم البعض ويمتهنون كرامة بعضهم البعض … بهذا سيقودون العالم … يا للعار والسخرية !!!
أشك بجدوى التفكير بمآلات هذه الشعوب , فما مضى , قد مضى وانقضى , لم يعد امر المشاكل القديمة مهما , المهم الآن هو التخلص من المشاكل الجديد , المتمثلة بالدرجة الأولى بنزعة تدميرية في كل المجالات ,الكيانات سقطت رسميا , حقيقة لم تكن هناك امبراطورية بالمعنى التحضري الا في الوهم , لم تكن هناك دولا الا في النصوص , ولم تكن هناك شعوب أو بالاحرى مجتمعات الا في الخطب والاناشيد ….لاعجب في النهاية , كانت كذبة وانتهت !
