ماذا عندما ينتصر التقديس ….

ممدوح بيطار:

يتسم كسل الفكر والعقل بالجهوزية المسطحة , التي تسمح   بادعاء المعرفة الفورية لأسباب أعظم القضايا والمشاكل وأكثرها تعقيدا, وحلولها اضافة الى ذلك ,في هذا السياق اكتشف عدد كبير من كسالى العقل بأن  كل   الشرور   تأتي   من   الغرب   المتآمر   , والذي   يعين    الرؤساء    ويفرض   الفساد , وحتى   تفجير   كنسية   في  طنطا   أو  بغدادكان   من  صنع   المخابرات  والأمريكان   والطليان  والألمان   وغيرهم .
  ضحايا   الار هاب   العشوائي  يحصدون  مالم يزرعوه ,  أما الارهابيون  فيحصدون مازرعوه ويحترقون بناره  ,   لقد ماتت   الاخونجية   السياسية  التفجيرية أخلاقيا ووطنيا   على  نفسها   انتحارا , الدولة   ستموت  وغيرها   سيموت  ان لم تسارع في التخلص  من   الارهاب   بأي   شكل  وأي  ثمن كان   ! مايقال ان كان نظرية أو فرضية ,    يطبق  على الجميع , واذا صح كون زارع الارهاب هو من يحصده ,فان     شعوب   هذا   الشرق  نحصد الكثير مما   زرعته ,    الارهاب    لايعرف     الحدود   ,  ومن   يمارسه    وراء   الحدود   يمارسه   داخل   الحدود   ,    لقد  بلغت كارثية الارهاب   في   هذه   المنطقة  حجما قاد الى هلاك مئات الألوف من البشر والى تخريب دول ثم الى تشريد الملايين والى انتشار الفقر والمرض, ثم الى القضاء على الأخلاق والوحدة الوطنية ,والى ولادة مشاريع التقسيم والتشرذم,    الارهاب   صناعة   محلية ,ولا    يعرف   هذا   الارهاب جنسا   او   اثنية  واو  ديانة   معينة  ,منتجاتنا  من  مصانع  الارهاب قفزت فوق الحدود , فالارهاب لايحترم الحدود ولا يتقيد بها , لذا يتدفق أحيانا عبرها ويقفز فوقها , فمن هي الجهة التي تصنع الارهاب ثم توظفه داخليا وتصدره خارجيا بهده الكميات ؟.
      لاتصدر هذه    الشعوب     سوى  الارهاب والبترول وبعض التمر   وملاين   من    اللاجئين    الهاربين   من    الظلم   ومن    الفقر  والجوع  , لم   تكتسح المنتجات    الصناعية   أسواق   العالم ولم   يتم    تصدير  العلم   ولا    الأخلاق   ولا النظم  السياسية   الانسانية      الناجحة   ولا   القيم    الانسانية   السامية  ,لم نحصد عشرات جوائز نوبل , هذا   اضافة الى تحولنا الى عبئ على العالم ,  الذي  نقدم   له   الارهاب ,  والذي يقدم لنا من نظرة” انسانية” مساعدات الغذاء والدواء ومكان   اللجوء , ويقدم لنا أيضا البنادق والقنابل لمن يدفع , يبدو وكأن الحاجة الى البندقية والقنبلة أعظم بكثير من الحاجة الى لقمة العيش , فمن يراقب اقتصاديات الفرد والأسرة العربية يصل الى النتيجة التي تقول على أن العرب يأكلون الهواء ويشربون الهواء مجانا لحد الآن ,اننا لانعيش تبعا  لذلك  في رخاء مابعده رخاء ,   نعيش   في   فائض  من   الرصاص   , ومسؤولياتنا   تنحصر  في   استهلاكه    وفي انتاج     سيول   الدماء   , حتى أن العالم   الذي  يطعمنا ,يمارس بالنيابة عنا مسؤولياتنا السياسية ويبحث عن حلول لمشاكلنا ثم يفرض  الحلول   التي  تناسبه علينا , لم نقتدر للأسف  على  حل  المشاكل التي   نخترعها   باستمرار.الارهاب العبثي ضروري لذاته قبل أن يكون ضروري لحل مشاكل أخرى , انه بحد ذاته من أعظم المشاكل , وهو من المجالات التي تقدمنا في اختراعاتها وصناعتها , وعن الارهابيين  يمكن القول بأنه من النادر جدا التعرف على ارهابي دون كم هائل من الجهل وسوابق الاجرام , ومن الصعب تصورهم وهم يجاهدون   فعلا من أجل احقاق الحق أو ثأرا للمظلومين, واذا كانت دوافعهم فعلا احقاق الحق وازهاق الباطل , فبلدان الشرق تعج بالباطل , والشرق العربي يمثل عموما موطن استلاب حقوق   الانسان   المزمن ,جهودهم  وجهادهم   كان   ظلم  وظلام   اضافي .عندما يهمل الفكر محوره الشاقولي أي التعمق ,ومحوره الأفقي أي الالمام بمعظم جوانب المشكلة قيد التحليل والدراسة , تصبح  نتائج هذا  الاهمال   ساذجة وسطحية وبالتالي قاصرة على ادراك الحقيقة وصناعة الحلول ,الكسلان فكريا هو من يهمل التعمق , ومن يتعمق يصل الى النتيجة التي تقول بأن الجهل ومشاكل الحياة المعيشية لها علاقة صلبة بمصانع الارهاب وانتاجه  , هنا يجد الباحث عن علماء الارهاب ومصانعه الكثير في تراث ال 1400 سنة الأخيرة , فهده الفترة أفرزت العديد من الظواهر, التي لاتقل اجراما توحشا عما نراه الآن من مشاهد الهمجية …قتل معظم الخلفاء بأساليب صعبة التصور ..قتل المفكرين  بأساليب أكثر بشاعة من قتل الخلفاء …الحلاج وغيره, وهم كثر جدا ..  ممارسة  الهمجية مجردة ليس بالأمر الكارثي ,عند وجود عقل ناقد وسلطة تحاسب وتعاقب مقترف الجريمة , فمهما فعل خالد ابن الوليد من شنائع يبقى موعودا بالجنة وأحد الصحابة رضي الله عليهم وأرضاهم , ومهما حرض ابن تيمية يبقى شيخ الاسلام الأول ,ومهما توحشن ابن باز يبقى مفتي المملكة   وغيرهم   مثل  القرضاوي والعريفي, والعديد من  الذين   أطلقوا    على   انفسهم     لقب  “علماء” حاضرا وماضيا,  اين   هو   العقل   الناقد ؟
 يؤخد على المؤسسة الأخلاقية والدينية  ماضيا وحاضرا عجزها عن الانخراط في صراع فكري ينزع عن الجهادية حججها في تبرير العمليات الارهابية  , قد لاتسمح هرمية السلطة الدينية ,   والتي يجلس على قمتها المرشد او   الوالي  أو المفتي   أو   الأزهر ..الخ بالنقد  لابل  تعاقب  الناقد بصرامة , رجل الدين   ليس المسؤول الوحيد عن توجيه الناس وارشادهم ومعاقبة المخطئ منهم , ومن الحكومات الفاسدة لاننتظر اي تنوير, لأنهم يستفيدون من ظلام العقول , أما عن المثقف ودوره , فيجب القول , لقد قصر أكثر المثقفين بشدة , لأن معظمهم التزم تحت   الضغوط  بالابتعاد عن دائرة المقدسات , التي يوسعها   الاسلام   السياسي حسب الطلب وحسب حاجات الحماية من النقد , المتقف الخائف وفي أسوء الحلات المثقف السلطاني يتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية عن طريق التزامه   بعدم   التعرض    للقدسيات  والتقديس   الصانع   للقطيع , بالنتيجة   انفلت  وحش   التقديس  يرهب ويقتل ويفجر بلاده وبلاد غيره , انهزم الوطن والانسان وانهزمت الأخلاق وانتصر   التقديس.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *