ممدوح بيطار :
اليوم هو يوم مولد انطون سعادة في ١-٣-١٩٠٤ , اننا نتذكر على أنه كان سياسيا وفيلسوفا وعالما اجتماعيا , قل نظيره في هذه المنطقة , لقد خرج السوريون من ظلام الاحتلال الطويل فاقدي الهوية والانتماء , ممزقين بأمراض التعصب الديني الطائفي , ومسجونين في سجن الجهل والتخلف , ساهم سعادة في اكتشاف الأمة السورية كهوية , وفي نشر العلمانية , واعتبر على أنه من حق أي انسان يعيش على أرض سوريا التاريخية ان يكون مواطنا سوريا , مهما كان عرقه وديانته وأن يتمتع بكامل الحقوق والواجبات , معيدا بذلك دمج ابناء الوطن الواحد بوطنهم .
لقد واجهنا سعادة بأمراضنا الاجتماعية , وشرح لنا كيفية الخروج منها ومن شرنقة الانتماء العرقي او الديني او الطائفي, والدخول في فضاء الانتماء الوطني الاجتماعي , علمنا كيف ننتقل من الفردية الى الاجتماعية , وكيف نتعامل مع الوطن بشكل يخدم الشعب ككل ويمنع انانية الفرد , هناك أفراد في الوطن , والوطن ليس الأفراد .
يستحق سعادة الأحترام, , ولست هنا بوارد تمجيده ومدحه بالكلمات , انه يستحق التكريم ليس بعبارات رنانة ومرثيات , نقتل بها عظمائنا مرة تلو الأخرى بمناسبة ولادتهم ووفاتهم , تكريم سعادة لايكون بكتابة المقالات البكائية عليه , ذلك عديم الفائدة ولا يستحق بذل الجهد واضاعة الوقت بطقوس فارغة المضمون , فمن سعادة يهمنا فكره ومناقبيته , نكرم سعادة عندما نأخذ فكره ونستفيد منه ونناقشه ونطوره , ولا نقتله مرتين .
قتلنا سعادة مرتين , الأولى عندما اخترق الرصاص صدره , ورصاصة الرحمة رأسه, مرة أخرى عندما سجن فكره في اطار حزبي ضيق , فسعادة مفكر أولا , سجن الحزب أفكاره في سجن محصن بالتابوهات , التي لايجوز لمسها أو التعرض لها أو الاقتراب منها , وبذلك اعطوا فكر سعادة صيغة المقدس , ليصبح فكره أشبه بالسور والآيات , جمدوا أفكاره , وأبعدوها عن التطور الضروري والدائم , وحولوها الى صالحة لكل زمان ومكان ,وبالتالي أعطوا أفكاره طابع ديكتاتورية النص , التي تترافق بديهيا مع قدر من التخوين والتكفير, المقرون كالعادة بالعقاب والاقصاء ,ومن ناحية بالتلفيق والرياء من ناحية أخرى … لقد طورت البيئة العربية الحزب جزئيا باتجاهها , والحزب طور هذه البيئة جزئيا باتجاه الفكر السوري القومي الاجتماعي , تأثير متبادل وتبادله حتمي , لكن من يتمنى للشعوب السورية التقدم , يتمنى لو رجحت كفة الحزب أكثر ,
سعادة ليس مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي فقط, انه من أهم مفكرين الشرق لابل أهمهم , قد يموت فكره السجن , لاوجود لامكانية الاستفادة من هذا الفكر سوى بالانفتاح , قيمة الفكر في انفتاحه وليست في انغلاقة وتقوقعه ثم تقديسة وتجميده .
أرى بأنه سيكون للحزب السوري القومي دورا مهما جدا في سوريا المستقبل … السوري القومي الاجتماعي هو من أقدم احزاب المنطقة على الاطلاق , والسوري القومي هو الوحيد الذي تمكن من المحافظة على بقائة مايقارب قرنا من الزمن , الا أن بقاء الحزب بالرغم من مقاومة العديد من الجهات له وبأسايب اجرامية انتهت برصاصة الرحمة , لايعني مناعته ضد التآكل والذبول وبالتالي الموت , لابد للبقاء من التطوير , أي تطوير النظرة السياسية وحتى التاريخية والعقائدية والفكرية للحزب , تأليه سعادة وتقديس أفكاره هو من أسوء ما يمكن للحزب أن يتعرض له , تحويل سعادة الى نبي هو بمثابة الاعدام الثالث له !
