ممدوح بيطار :
ليس من المستغرب ان تكون هناك محاولات لاغتيال النقد الكاشف عن المستور العفن التأخري , لم تكن اول المحاولات مع صادق جلال العظم , وسوف لن تنتهي بفرج فودة ومحمد اركون والعفيف الأخضر ثم سيد القمني أو طه حسين والكثير غيرهم .
نظرا للتردي الحضاري , الذي تعاني هذه , فانه لامناص من ممارسة النقد بهدف الاصلاح والتصحيح , والنقد لايقتصر على الفكر الغيبي السياسي وحتى الاجتماعي , انما يشمل ايضا ذهنية “التحريم ” وغيرها من معيقات التقدم , سوف تتوسع من نقد تطبيقات هذا الفكر المتمثلة بانتشار اوبئة اجتماعية مرضية كالختان وتعدد الزوجات والنظرة الى المرأة ثم العنصرية الدينية والخرافة والايمان وغيرهم , الى نقد العقلية والفكر كما مارسه محمد اركون وصادق جلال العظم وفرج فودة وغيرهم .
سوف لن أحاول تبرير التطرق الى الأوبئة الاجتماعية , فضرورات التقدم وضرورات التخلص من هذه الأوبئة , تفرض ضرورة هذا النقد , الذي ترفضه بعض الجهات بحجج مختلفة مثل اثارة الفتنة وزعزعة الوحدة الوطنية وغير ذلك من المآخذ , التي نأخذها مأخذ الجد , وذلك بالرغم من تسطح هذه المآخذ وبالرغم من كونها بدائية ومعاكسة للمنطق , انها تريد تكريس التآخي والتحابب وتجنب الفتنة والاهتمام بما هو أهم , والأهم حسب مافهمت هو الحفاظ على المستنقع هادئا , آسنا ومسببا لذلك التردي المتمرد والمستعصي على التصحيح , لم يكن مانراه من خراب نتيجة للنقد , انما نتيجة لعدم النقد , نتيجة للتلفيق والمحاباة والدجل , الذي سمح لسرطان التردي بالانتشار بالشكل الذي انتشر به ,
مهمة التنوير هي تجاوز المحظور والمحذور في الثقافة , وليست الاستكانة لذهنية التحريم والمحرمات وتقديس الشرور والموبقات , المتمثلة بالقمع الديني والسياسي والتوهمات الأسطورية الخرافية الغيبية المكرسة للتخلف والتردي , فما هو سائد الآن لاعقلاني , لذلك فان الفشا والانحطاط حتمي مهمتنا تتمثل بتكريس الانحطاط ؟؟؟,
يهددون ويتوعدون ويزمجرون بالفتنة والعواقب المريعة لممارسات من نوع النقد , لايخفى على أحد بأننا نعتبر زئيرهم مواء فئران , لايرهب ولا يغضب , لانتوقع من الجهل أفضل من ذلك.
يهيمن الفكر الأسطوري الديني المخرب للحياة حاضرا ومستقبلا على الوعي الجمعي , المسؤول عن الحضور المتواصل للهزيمة , والمتجلي بتطبيقات خرافية في المجال السياسي -الاجتماعي -الاقتصادي , ثم بالمؤامرة والمغالاة في تأكيد التفوق … نحن خير أمة !!!, حتى امر هذه الأمة بالمعروف ونهيها عن المنكر لايحولها الى خير أمة ,لنا من الأمجاد ما يفوق كل تصور , لايمكن أخذ كل ذلك مأخد الجد , انه ثرثرات ليست بريئة , انما قاتلة لاحراز الأمجاد كما يتصورها الأعراب ويحلمون بها .
لقد كان التوظيف السياسي للدين وانتشار وعاظ السلاطين والتخويف من مفهوم المجهول المؤسس على الجهل , ثم الاصرار على استيراد التشريعات والأعراف والقيم من الماضي وزرعها في الحاضر , وممارسة العنف والجهاد والارهاب , والتأكيد على ضرورة حضور الله وملائكته في كل مرحاض , للتأكد من كيفية دخول المؤمن ان كان بالرجل بالرجل اليمنى او اليسرى , ثم حرص الله على تطبيق مراسيم النكاح , والترويج لمادة النكاح في الجنة , والاستقواء بالمتخيل الغيبي وغير ذلك من الخرافات , التي استلبت عقول البسطاء وزادت من جهلهم وبساطتهم , انه من واجبنا ان نحاول تحرير العقل من الخرافة , وذلك لتمكينه من العمل في مجال الترقي والتقدم وحتى العلمية , لاعلمية بعقل الخرافة, ولا تزاوج بين الأرض المسطحة والأرض الكروية , وبين الشيخ واستاذ الرياضيات , ثم بين المسجد والمدرسة, نقد معيقات التقدم ضرورة للتقدم , والاستكانة استسلام للتأخر , وبذلك ليس بالامكان تفهم كل تلك الطوباوية والطوبايون ومن تخندق في خندقها ,
الأهم من كل ذلك كانت مساحة المقدس, التي اتسعت جدا في الثقافة والحياة , لقد كان للمقدس وتوسعه اثر كبيرا على تطور هذه الشعوب , المقدس يلغي الحاجة الى الشك الديكاترتي -الرشدي , ويتسم بفرضه للحقيقة المطلقة عن طريق الايمان , وماذا يفعل الايمان بالعقول ؟؟ انه يدمرها ويحول الانسان الى مخلوق بجمجمة دون مخ في داخلها , لذلك فان مجابهة الثقافة الايمانية ضرورة من ضرورات انعاش العقلانية , وما تقدمت شعوب وأمم الا عن طريق العقلانية ,
لا نختلف عن المتقدمين بالولادة , انما بالتنشئة والتأهيل , مهمتنا هي الدفاع عن العقل والعقلانية , وذلك للاعتقاد بأنه لاتقدم من خلال رؤوس فارغة , كرؤوس الاخونج وتفسيراتهم المعتبرة حقائق مطلقة , مقولات من مصادر الهية نبوية لايأتيها الياطل لا من امامها ولا من خلفها .
لذلك لابد من تقزيم المقدس الى حد الغائه , ولا نجاة سوى بحذف المقدس وتحرير العقل من “ذهنية التحريم”, ثم نقد نزعة التكفير للفكر الحر وللتعددية والنسبية , لاخوف بعد اليوم من الزئير والزمجرة والتهديد والوعيد والتخويف من الفتنة , ماضون في نقد تطبيقات الفكرالغيبي وتفكيكها وتشريحها وفضحها , جوهر الفكر الديني السياسي ليس خارج النقد .
