ممدوح بيطار :
لاشك بأنه للارهاب العديد من الأسباب والعديد من التحليلات , واذا صدقت فرضية المفكر التونسي يحيى بن سلامة , بأن الارهاب فعل جماعي ,وبأن الخلفية الفكرية هي الفاعل الارهابي الأول ,ودور الفرد المنفذ للعمل الارهابي ثانوي , لذلك يمكن القول بأن الاسلام نبع رئيسي وأساسي من ينابيع الارهاب بما يخص الارهابيين المسلمين أو ارهاب المسلمين , الذين اعلنوا , بدون أي استثناء عن دوافعهم الدينية لاقتراف الجرم الارهابي , أعلنوها على الملأ جهادية من أجل نصرة الاسلام واعلاء كلمته , ولا يمكن الشك بحقيقة ما هتفوا به وما اعلنوه من شعارات,
لما كانت الخلفية الفكرية متهمة بالقيام بالفعل الارهابي , لذلك يجب التنقيب في النصوص وفحص هذه النصوص , التي هي مصدر هذه الخلفية الفكرية , يجب التأكد من كون النصوص محرضة على الارهاب والعنف , أو ناهية عن الارهاب والعنف , ومن يتعرف على النصوص والآيات والمفاهيم يتوصل بسهولة بالغة الى النتيجة , التي تؤكد ضلوع النص في العمل الارهابي كمصدر للخلفية الفكرية , التي تؤهل الفرد لتنفيذ العمل الارهابي , .
من هذه الخلفيات الفكرية اذكر على سبيل المثال مفهوم الولاء والبراء, فالولاء والبراء هو مفهوم احتوائي واقصائي بآن واحد , انه المنظم لعلاقات المسلمين مع المسلمين ومع الغير , الولاء والبراء مفهوم معولم وعابر لحدود الدول , ويتضمن الكثير من الضدية في ذاته , مثل ضدية الولاء للوطن مع ضدية الولاء للمسلم , الذي قد يكون عدوا للوطن , الولاء للمسلم مناقض في حالات معينة للولاء للوطن , وبسبب قدسية الولاء والبراء , التي تمنع الخروج عن النص , لذلك يستتب الأمر في حالة من العداء , وحالة العداء تتطلب اجراءات تنتهي ممارستها بقتل وافناء العدو في اطار الجهاد …. ارهاب !
روح الولاء والبراء تتضمن الى جانب الاخلاص للجماعة , العداء للآخرين من غير المسلمين , وفي هذا السياق كان من الضروري حسب جمال البنا تقسيم الناس الى فئتين , فئة المؤمنين , التي هي على حق دائم , وفئة الكافرين , التي هي على ضلال دائم , الولااء والبراء يرغم المسلم مهما كانت دولته على نصرة المسلم الآخر مهما كانت دولته , السبب الظاهري هو كون المسلم , بغض النظر عن انتمائه السياسي , دائما على حق …على حق حتى ولو كان مجرما شريرا, كونه مسلم يستحق الولاء مهما كانت الظروف, يتجسد البراء في كراهية الغير ورفضه ومناصبته العداء , بشكل عام يعتبر الولاء والبراء أساس من أسس العداء , والعداء يحلل كل شيئ , لابل يفرض العنف وبالتالي الارهاب .
يمثل تقديس الجهاد والحث على ممارسته دافعا لمسلكية ممارسة العنف تجاه الآخروارهابه بدافع من الخلفية الفكرية الجهادية , التي تمثل تأويلا متشددا للنصوص المفرزة من قبل الفكر السلفي , فجذور الفكر الجهادي التكفيري تكمن من الايديولوجيا الدينية أي في الآيات , النص هو أساس الظاهر, والجهاد عبادة وفرض”أمرت أن اقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله , ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة , فاذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم الا بحق الاسلام , وحسابهم ..الخ “, “بعثت بين يدي الساعة بالسيف , حتى يعبد الله وحده لاشريك له, وجعل رزقي تحت ظل رمحي , وجعل الذل والصغار على من خالف أمري , ومن تشبه بقوم فهو منه …”من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه به مات على شعبة من نفاق “, ” فاذا انسلخ الأشهر الحرم , فأقتلوا المشركين حيث وجدتهوهم , وخذوهم واحصروهم , واقعدوا لهم كل مرصد , فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتو الزكاة فخلوا سبيلهم …الخ ,لا أظن بوجود ضرورة لشرح الخلفية الجهادية وعلاقتها بالارهاب (الجهاد فقهيا قتال ), النص واضح وصريح .
ليس مفهوم خير أمة خرافي بقدر ما هو جنائي , انه مفهوم مجرم للعديد من الأسباب , أولا ضال ومضلل لمن يظن خرافيا بأنه ينتمي الى خير امة , وبالتالي فهو متفوق على غيره لأن الله انعم عليه بالدين الحنيف , مغرور منتفخ خامل اتكالي طفيلي حاسد لصوصي …. يستسهل التطاول على حياة الآخرين , وحتى قتلهم ويفرق بين قيمة حياته وقيمة حياة الآخر , الغرور يسمح له بالتجرؤ على الآخر , وانتهاك حرمته وترويعه ثم ارهابه , ومن يريد التعرف على عواقب مفهوم خير أمة , عليه بالتاريخ الحديث وعليه بالنازية , التي لم يبلغ انحطاطها بقوانين نيرنبرغ انحطاط العهدة العمرية , لقد مارس هتلر ابادة جماعية لليهود انطلاقا من اعتباره لهم كفئران , وبنفس النفسية تمت ابادة قبيلة بني قريظة , التي لم تباد جماعيا , انما كليا , وحتى تبرير الابادة الكلية لبني قريظة شبيه بتبرير هتلر لابادة اليهود جماعيا , لافرق بين ارهاب هتلر ونازيته وبين ارهاب رجالات الدين الحنيف , اراد هتلر جعل اوروبا خالية من اليهود , وبنفس العقلية اصبحت الجزيرة خالية من اليهود والنصارى اضافة الى ذلك …. الشعور بالفوقية والغرور هو ارهابي قاتل للغير والذات , وكم كان جميلا لو تمكن المغرور من انقاذ نفسه من نفسه ..
هناك مفاهيم وخلفيات مشجعة على الارهاب والقتل , منها منهجية الزهد في الحياة الدنيا وانتظار الفرج في الحياة الآخرة , مما يقود الى الاستهتار بالحياة بشكل عام , ثم مفهوم الشهادة , المغري بالحصول على مكاسب الجنة , والعديد من المفاهيم الأخرى التي تشجع على ممارسة ثنائية العنف -الارهاب , لكي لا اطيل كثيرا , سأذكر بالقليل من التفصيل موضوع الاسلام كدين ودولة , فعلى الدولة كما هو معروف احتكار ممارسة العنف القانوني (ماكس فيبر) , حسب القانون الوضعي , وماذا يحدث عندما يدعي المذهب على أنه ليس دين فقط انما دولة اضافة الى ذلك ؟ , أي أن يحول الدين نفسه الى دولة , عندها يصبح احتكار العنف وممارساته من مهامه … وتطبيقا لقانونه , الذي هو الشريعة, هنا يصبح للدولة الحديثة قانونان , قانون وضعي وقانون شرعي , هذه الازدواجية تعني الغوغائية المطلقة , التي تقضي على الدولة وقانونها الوضعي , وتسمح بالانفلات الكامل للشريعة وتطبيقاتها المنسجمة مع القانون الالهي , الذي لايحرم الجهاد والقتل في سبيل الله , انما يشجعه , وبالتالي يفتح الباب على مصراعية ليقظة الجهاد ويقظة الولاء والبراء وخير امة وكل الخلفيات الأخرى الضرورية لممارسة الارهاب ,
كل ماذكر , ويمكن اضافة العديد من النقاط الأخرى يؤكد العلاقة السببية بين الدين والارهاب , وينفي صحة ما نسمعه ونقرأه والذي يقول هذا ليس من الدين بشيئ !
