ممدوح بيطار , سمير صادق :
يمكن للمتشابهات ان تتحول الى ضديات , فأمراض شعوب هذه المنطقة متشابهة , وأكثر الأمراض انتشارا هو التجرثم بالفكر القومي والطائفي والعشائري, الأهم من هذه الأمراض هو مرض القوميات , هناك القومية العربية وهناك القومية الصهيونية , وغيرهم من القوميات الصغيرة نسبيا , الا أن القومية العربية والقومية الصهيونية هم الأكثر تشابها والأكثر عداء واقتتالا , توأم مستنسخ ومتصارع بآن واحد , اذ كلاهما يرضع من الثدي الايديولوجي العرقي الاثني .
ماهي معالم الفكر القومي العربي , وما هي معالم الفكر القومي الصهيوني؟
نشأ الفكر القومي العربي في مطلع القرن العشرين بهدف التخلص من العثمانيين , وقد وجد القوميون العرب ما يجمعهم مثل اللغة والثقافة والحياة المشتركة (النظرة الألمانية) , الا أن عامل الجمع الأهم الافتراضي كان العامل الاثني العرقي العربي, وحتى التفكير الوحدوي العربي ارتكز على العامل الاثني العرقي , الذي ساهم من جهة أخرى بشكل كبير في اندلاع الصراعات الداخلية والأزمات , كما هو في العراق وسوريا مع القومية الكردية ومع جنوب السودان ومع اقباط مصر ومع القومية السورية والأمازيغية , تارة بسبب رفض هيمنة القومية العروبية , وتارة بسبب رفض القومية العروبية لبقية القوميات واعتبارها لاغية أو غير موجودة .
امتداد العامل العرقي العربي على الشعوب والأوطان انعكس على امتداد العامل الجغرافي , الذي تمثل تقليديا باسم الوطن العربي , فالوطن العربي هو وطن القومية العربية العرقية والتي تتربع على تلك الجغرافيا , تتميز القومية العروبية بميزة الميل الى التعريب الموروثة من الفتوحات , التي عربت الناس بعد احتلال ارضهم وأوطانهم , كما كان حال بلاد الشام وشمال أفريقيا وغيرهم , هذا الأمر جعل من الفكر القومي العربي فكرا احتلاليا مفعما بالعنف وبجذور تمتد الى ١٤٠٠ سنة .
ما حدث في أوائل القرن العشرين كان ليس أكثر من اعطاء هذه الاحتلالية أو الفتوحية , صيغة نظرية, تبلورت عمليا بشكل دولة او دولا , عليها أن تكون متحدة , بغض النظر عن كونها مؤهلة للوحدة أو غير مؤهلة , اذ أن العامل العرقي كاف لاحتضان هذه الوحدة ورعايتها واعطائها الدفع الضروري للبقاء والتطور , وذلك بعكس مانعرفه عن بقية الوحدات أو الاتحادات كالاتحاد الأوروبي , الذي ولد على ركائز اقتصادية وسياسية بعد أن تم القضاء أو الحد من المفاهيم القومية الاوروبية المتعددة الخاصة بكل دولة أوروبية .
ظهرت الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بشكل قومية , أهملت وتجاهلت الأرض التي عاش عليها صهاينة العالم بشكل مواطنين في مختلف الدول والمجتمعات, وأيقظت مفاهيم عرقية أصبحت الأساس , تمت الاستقالة من هوية البلدان التي عاشوا بها , واستقر الأمر على البديل الجغرافي فلسطين , المحدد للهوية الصهيونية , وذلك بناء على معطيات تاريخية قديمة , بالمختصر يمكن القول ان عرقية الهوية كانت القاسم المشترك بين الفكر القومي العربي والفكر القومي الصهيوني .
الوطن العربي جغرافيا هو الرقعة من الارض التي يسكنها العرق العربي, والتي تمتد من المحيط الى الخليج , أي الوطن الأصلي للعرب في الجزيرة مضافا اليه الشعوب التي تعربت كحال سوريا ومصر والمفرب وغيرهم , الانتماء الديني الأممي كان العامل الأساسي في رسم حدود الدولة , كما رأى الاخونج , فجغرافية دولتهم او خلافتهم تتحدد بالانتماء المذهبي , ان تواجد هؤلاء المؤمنون في روسيا مثلا , فروسيا تصبح جزءا من دولة الاخونج , لايختلف هذا الأمر بين القوميتين , أساس هذا الفكر هو تقدم الأمة او الشعب على الجغرافيا , اي المكان الجغرافي المناسب للأمة تحت الشمس , تمثل الخلل كان في كلا القوميتين بتبعية الأرض للعرق, بينما الصحيح هو تبعية الشعب او العرق للأرض , المهم أصلا هو العامل الجغرافي أولا , ومن يسكنه ثانيا ,
علاقة الدولة وبالتالي القومية بالدين متشابهة في في القوميتين , الفكر القومي عموما عنصري , ألا أن عنصريته ليست دينية, ولكن عفلق مزج بين الدين والعروبة , بهدف سحب البساط من تحت أقدام الاخونج , الذي بدأ حديثا عام ١٩٢٨ على يد البنا وقطب, لم تنجح محاولات سعادة في عملية الفصل بين الدين والقومية , اي بين الدين والدولة بالشكل المطلوب , المزج العفلقي قاد الى ولادة انصياعا متبادلا بين الدين والقومية , مع رجحان انصياع الجوهر القومي للجوهر الأممي الديني , والانصياع انعكس على سياسات الدول التي نشأت على ارضية الفكر القومي العربي بعد الحرب العالمية الأولى , اذ تم تقاسم السلطة بين الديني والقومي , الذي ضربه الخلل في العديد من المناسبات , وقاد الى مواجهات دامية , سبب الخلل كان دائما محاولة جهة تضخيم حصتها من السلطة , وبالتالي نقض اتفاق التراضي والتقارب والتوافق والمحاصصة .
علاقة الحركة الصهيونية مع الدين مشابهة ,والمثال على ذلك نشاط حزب نيتانياهو بخصوص دينية دولة اسرائيل , وذلك بالرغم من أن الصهيونية لم تكن أصلا حركة دينية , والقومية العربية لم تكن اصلا حركة دينية , الصهيونيون الأوائل كانوا بعيدين جدا عن الدين , كحال القوميين العرب الأوائل ببعدهم عن الدين , تطورت الأوضاع في كلا الحالتين بشكل مشابه وباتجاه الدين , بالرغم من تشابه الخلفيات والتطورات تأجج العداء بينهما الى حد اندلاع الحروب عدة مرات .
كانت الايديولوجيات العرقية دائما سببا اساسيا من أسباب الحروب , ومبررا لانتهاك حقوق الانسان ,كما فعلت العرقية النازية القومية , لم يجد القوميون العرب والقوميون الصهاينة من حل للمشاكل بسبب فلسطين سوى الحرب والاقتتال , الذي ضخم حجم تلك المشاكل , فربط الهوية بالعرق والدم لم يؤد الا الى هدر المزيد من الدم , لقد تجاوز العالم المتحضر المفهوم البيولوجي العرقي للهوية , فالهوية أصبحت ترابية مصدرها الأرض , الذي يعيش الانسان عليها كان من كان وبغض النظر عن أصله وفصله العرقي ودينه , التحديد الترابي للهوية هو القادر على تجاوز النزاعات التي تحركها النزعات العرقية , الاستمرار في الاتكال على الفكر القومي العرقي سيكون كافيا للاستمرار في الحروب العبثية داخليا وخارجيا , على الجهة القومية التي تريد الانتصار على الجهة القومية الأخرى , ان تنتصر اولا على نفسها العرقي !
