جورج بنا
في مفهومها العام فكريا وسياسيا عملت العروبة المتمثلة بالبعث على نشر جنون الارتياب وجنون الاتهام , فالانسان السوري مرتاب بكل شيئ و”متهم” حتى يثبت العكس , حتى يتمكن هذا السوري من تسوية أوضاعه مع الأمن عن طريق الدفع , فمن لايدفع يتحول خائن ومتآمر , فالأمن هو مصدر شهادات الوطنية وحسن السلوك , ثم أن مصدر النزعة للانعزال عن العالم هو الأمن أيضا , العالم , والقصد هنا العالم الغربي , هو مصدر الشرك بالترتيبة السلطوية الأمنية , وبهذا الخصوص هناك توافق بين الديكتاتورية السياسية والقمعية الدينية بخصوص مايسمى الغزو أو التلوث الثقافي , فالرفاق لايريدون التلوث بالغرب مبتدع الحريات والديموقراطية والمناهض لروح المادة الثامنة ولقضية التوريث في نظام يدعي انتسابه الى المفهوم الجمهوري , فالتلوث بأفكار الغرب خطر على منجزات الرفاق ومسبب للكثير من وجع الرأس الذي يجب تلافيه مهما كلف ذلك .
القمعية الدينية التي تمثل الرديف للقمعية السياسية لاتريد التلوث أيضا , التلوث متعب من حيث كونه محرض على مطالبة المرأة بحقوقها من المساواة ومن حيث بدعة حقوق الانسان , فالاخوان كالرفاق لايريدون استيراد النظريات وانما فقط السيارات , الغرب مثير لعدم الاستقرار, الذي يشكل خطرا على تطبيع الأوضاع القائمة في البلاد , انه من طبيعتنا المحترمة أن يتزوج الرجل ماطاب له من النساء , ومن طبيعتنا الأشد احتراما تحجيب المرأة ثم وضع الناس في مسحقة جهنم والجنة , والجهاد تكريما لوجه الله , والموت في سبيل الله هو الطريق الوحيد لحياة ابدية تقدم للمحظي بحب الله كل أشكال المتعة
تعرض حلف الرفاق مع الاخوان الى صدمات وتعقيدات عديدة , هناك الصدمة التي أتت من أوروبا الشرقية وموجة الديموقراطية هناك في مطلع التسعينات , التي تم ابتلاعها من حلف الاخوان والرفاق بسهولة , فالشعب كما قالت الرئاسة غير مؤهل للديموقراطية , والديموقراطية كما يقول الاخوان ليست من صلب الشريعة , الديموقراطية الغربية تجعل الحاكم مسؤولا أمام الشعب , وتجعل الشعب مصدر السلطات , اخونجيا الله هو مصدر السلطات والمحاسبة أمام الله وليست أمام الشعب
الصدمة الثانية تجلت بالملل من قضية تحرير فلسطين الحبيبة جدا , خاصة بعد تلازم الادعاء بوجود القوة التي بامكانها محق اسرائيل من الوجود خلا 24 ساعة ثم الهدوء العسكري لمدة أربعين عاما , هنا سأل الانسان العربي عن السر في تلك الشفقة على اسرائيل , وما هو سبب التأخر والمماطلة في القضاء على اسرائيل , الجواب على ذلك كان باعلان منهجية الممانعة التي ليست حرب وليست سلم , انما مابين بين , عاثت الممانعة كذبا وتلفيقا الى درجة تحسس المواطن من مجرد التفوه بمفردة ممانعة , حلف الرفاق مع الاخوان ابتلع هذه القضية مستنجدا برغبىة اسرائيل بالابقاء على حزب الله , اسرائيل تريد القضاء على لبنان لأنه المنازع الوحيد لها سياحيا وسياسيا , للبنان علاقات جيدة مع الغرب , وتغطيه احتلاله سياسيا ليست بالأمر السهل , لذلك يجب السماح باقامة دولة ضمن دولة في لبنان حيث يمثل ذلك الضمانة الأكيدة لاندثار لبنان من الداخل , وما نراه اليوم يؤكد هذا الافتراض .
الصدمة الثالثة تجلت بكسر السيادة الاعلامية للدول العربية عن طريق الاعلام الفضائي الذي انتهك حرمة الديكتاتوريات والقمعيات السياسية العسكرية والدينية , الاعلام الفضائي مكن من فضح المستور ,ومكن من التواصل بين الناس بطرق آمنة لايعكرها استخدام الأسماء الحركية , الاعلام الفضائي كان المحرك الرئيسي لمحاولات التمرد الشبابي على الرفاق والاخوان , لقد ساهم هذا الاعلام في تأمين فرصا عديدة لممارسة ابداء الرأي الحر ثم التواصل بين الناس , واذا تمكن الرفاق والاخوان من التصدي أو ابتلاع الصدمات التي تم ذكرها , فليس من المؤكد تمكنهم من ابتلاع صدمة الاعلام الفضائي
جورج بنا
syriano.net
رابط المقال
https://syriano.net/2020/04/
