ممدوح بيطار :
تتعرض معظم الطروحات والنقاشات الى مداخالات لها صفة مميزة , تتعلق بالتمحور حول الدين , وبرؤية كل أمور الحياة من منظور ديني , ثم تقييم الشاردة والواردة على أساس الشعور بالعداء للاسلام ,والحقد على الاسلام , ومحاولة سلب المؤمن دينه وابعاده عن دينه , وحتى الادعاء بعدم وجود ذكر للثقافة والمثقف في الأدبيات الاسلامية أو عدم وجود ذكر للوطن والمواطنة في الثقافة الاسلامية يعتبر هجوما على الدين , مع العلم بأن هذه المفاهيم جديدة , ولا يمكن لها أن تكون موجودة في التراث قبل ١٤٠٠ , الهدف من التنويه الى عدم وجودها في الأدبيات الاسلامية كان البرهنة على حداثة هذه المفاهيم , وما يرتبط مع حداثة هذه المفاهيم من صعوبات في تعريفها, يشعرون وكأنهم متهمون , مع أن ماقيل لايمت للاتهام بصلة , يختلف كل ذلك عن موضوع ” الحب ” , الذي لاوجود له في النصوص ……هذا اتهام بدون شك!!!!! , فقبل ١٤٠٠ سنة كان هناك حب , الا أنه لم يجد مكانا له في النصوص .
ردة فعل من هذا النوع , تتكرر يوميا بنفس النمطية ونفس الخلفية ونفس الهدف …نقول احيانا ان السبب كان نوعا من الحساسية المفرطة …أو غير ذلك من التفسيرات كالشعور بالمظلومية , أو الجهل أو التقديس المطلق أو القطعية أو …الخ , الا أن ألامر ليس مظلومية او حساسية فقط . انما العديد من العوامل مجتمعة , بشكل أو بآخر يمكن هنا تشخيص حالة مرضية تجسد مايسمى “الهوس الديني ” , الذي يتجلى بالعدديد من المظاهر الاضافية , منها الشعور بواجب الدفاع عن الدين , الذي يتساوى عند البعض بواجب الدفاع عن الحياة , الحياة ملتبسة مع الدين , الذي يمثل عند البعض مضمون حياتهم , وكأن الدين مصير , ثم التطرف الهوسي بالتقديس , الذي اصبح له هيئة مطاطية هلامية بدون قوام ومضمون محدد …. المضمون يتغير حسب الحاجة ….يتوسع أو يتقلص حسب الضرورة .
يتصف الهوس بكونه ادراك باحدى الحواس , دون وجود مسبب واضح لهذا الادراك , كادراك وجود ازدراء الأديان , دون ازدراء ,وماهو مضمون مفهوم ازدراء الدين ؟, أو الشعور بالحقد دون وجوده , أو الكره دون وجوده , أكثر الخواص النفسية تشجيعا لتكوين هذه المشاعر هي ضالة “العظمة” المعاوضة , لأن ضالة “العظمة” لاتسمح للقزم تقبل القول بأنه صغير, الشعور بالعظمة هم الدافع الى تصنيف أي نقد أو حتى تنويه لأي ضعف على أنه باطل , وبالتالي مصدره تشوه في شخصية الناقد , لذلك فالناقد حاقد وكاره , والعظيم عظيم أو مقدس وبالتالي غير خاضع للنقد وعظمته لاتخضع للشك .
انتشار مايسمى بالتدين العشوائي , الذي يجعل التفريق بين المظاهر الدينية العادية , وبين مظاهر الهوس الديني بمنتهى الصعوبة ’ التدين العشوائي يعني التمسك بالقشر دون اللب , وبالمظهر دون الجوهر , وبالطقوس بدون ناموس , التدين العشوائي هو نتيجية لانتشار الخطاب الديني العشوائي , كل على “كيفه” !!!! , هناك عالم الذرة الذي يتحدث عن علم الذرة بمستوى علمي عالمي , وهناك علم ذرة زغلول النجار , الذي لايفرق كثيرا بين كسر الجرة وشطر الذرة.
الرسالة “عظيمة” والدين “عظيم ” , للعديد من الاسباب, منها كون الله مسلم , لاهو مسيحي ولا يهودي ولا قرباطي ولا غير ذلك ,والله لايرتد عن دينه , ليس خوفا من بتر رقبته , انما عن قناعة !!!, العظمة لاتتقبل النقد , لأنها فوق النقد , انها أعظم من أن تنقد , لذلك تشعر العظمة بالاضطهاد بمجرد القول ما أحلى الكحل بعينها , العظمة كاملة الأوصاف وترجمة للكمال , لذلك فان من يتعرض لها , هو عادة متآمر مع المخابرات الصهيونية وعميل للشر الأكبر أمريكا , لايعقل أن يكون كلام الناقد صحيحا , انه افتراء ودجل وكذب حتى قبل التعرف عليه , العظمة هي شعور معظمه تصوري , يتصورون بأن الصفحات ٦٠٠ من القرآن تتضمن كل شيئ عن الحياة الدنيا والأخرى .. كامل متكامل … فلسقة اجتماعية وعلمية صالحة لكل زمان زمكان , والانسانية ليست بحاجة لأكثر من هذه الصفحات .
العدائية التي يمارسها شخص ضد شخص آخر بدون سبب شخصي هي عدائية مرضية , هي ارهاب وجريمة بآن واحد , مع العلم بأنه ليس كل جريمة ارهاب , العدائية هي أحد أهم تمظهرات الهوس الديني , تتشكل عادة في اطار مايسمى الفعل الجماعي , الذي يقسم المسؤولية عن الفعلة الارهابية على المنفذ وهو الارهابي , وبين خلفيته التي تعتبر الفاعلة الحقيقية والتي تتحمل معظم المسؤولية الارهابية , كل ذلك يتم في اطار تدجين وتنشأة مايسمى “المسلم الأعلى “, , والمثال على ذلك قاتل فرج فودة وقاتل ناهض الحتر , القاتل لايعرف ضحيته شخصيا , لايعود الاضطراب في هذه الحالة الى الشخص الذي تحول الى مسلما أعلى , وانما الى الخلفية , وهذه الخلفية تعود الى النص , وما يفرضه هذا النص , ومقدرة النص على تبرئة نفسه عن طريق ذريعة الأوجه المتعددة (حمال أوجه ) , نص للقسوة ونص للشفقة والرقة ولكل مايريد.
تعود العدوانية بشكل عام الى عصاب خير أمة , لايتقبل غير المسلم اصرار المسلم عل انه خيرا منه , ولا يتقبل المسلم النزول الى مستوى الآخر , من هنا فان العداء مبرمج وحتمي , كل محاولة من قبل الآخر بقصد الغاء هذا الاستعلاء تفسر بانها اعتداء , لذلك يعتبر الآخر تلقائيا عدو , انه عدو بطبيعتة الغير مسلمة , لأن غير المسلم كافر وعلى المسلم قتاله وقتله ان وجب أو أمكن.
مسلكيات البعض دفعتني للتفكير بتفسير لها , لم أجد من تفسير سوى “الهوس الديني” الذي يتميز بالتمركز المطلق حول الدين , ثم تقبل استلاب الدين لشخصيته وتعطيل الدين لعقله , والالتباس حول مقام ومهمة الدين , هل الدين غاية أو وسيلة , وهل يحيى الانسان بالدين أو أن الدين يحيى بالانسان ؟, اسئلة يجب الاجابة عليها لكي يتحول الهوس الى موضوعية تسمح بفهم الذات وفهم الغير
