نبيهة حنا :
لماذا نظر الفكر القومي بازدراء ورفض الى التراث العقلاني والتنويري الغربي وتنكر ثم رفض الاستفادة منه , ثم تمركز بشكل رئيسي حول موضوع الاستقلال بمفهومه البدائي , الذي يعني استمرار معركة الاستنكار للمستعمر واستمرار ممارسة العداء للمستعمر , الذي لم يعد له من وجود بشكله السابق كاحتلال عسكري , استمرت الأوضاع وكأننا في عام 1946 أو عام 1922 , استمرت ممارسة الكلام الخشبي عن الاستعمار وكيده ومؤامراته وضرورة التخلص منه بالرغم من عدم وجوده بالشكل الذي يجب أو يمكن التخلص منه .
القوميون العرب مستمرون في المعركة من أجل الاستقلال الذي أصبح عمره أكثر من ثلاثة ارباع القرن , ولا عجب في ذلك عند ادراك حقيقة مآربهم , لقد كان ذلك توظيفا لمادة للاستقلال في تحسين شروط بقائهم ,فنضالهم الدونكيشوتي من أجل الاستقلال الى أمد غير معروف كان الضمان لبقائهم على الكراسي لأمد غير معروف , وهل كان بامكانهم انجاز ماهو أكثر فائدة من الاتجار بمادة الاستقلال في بازار السياسية والوطنية ؟.
في هذه الأثناء تسلل الى الوجود العربي نوعا آخر من الاستعمار , الذي فاق قدرتهم في التصدي اليه وجانب ارادتهم في التصدي اليه أيضا , انه استعمار الفقر والتأخر والقصور في بناء المجتمع القادر على اقامة دولة , ثم العجز عن مواكبة التقدم والرقي ناهيكم عن صناعة التقدم والرقي , و عن تحسين الشوط المعاشية للمواطن الذي عليه عندئذ أكل الاستقلال وشربه والعيش به , والاستقلال لايؤكل ولا يشرب .
اضافة الى تحويل الاستقلال الى مادة استهلاكية في بازار السياسة , تم ضم قضية فلسطين الى المواد الاستهلاكية السياسية , فمن أجل استهلاك قضية فلسطين بشكل أفضل لهم كان لزوما على القوميين العرب احياء ثقافة الحرب والطوارئ وتبرير سرقة العسكر للميزانيات , قضية فلسطين كانت المبرر لدوام العسكرة ودوام استنذاف المقدرات الاقتصادية من قبل الجيوش التي لم تحصد سوى الهزائم , يدعون بأنهم يحاربون من أجل فلسطين وبالنتيجة قادت حروبهم من أجل فلسطين الى توسع الأرض المحتلة , لذا أصبح من الضروري أن يحاربوا ليس فقط من أجل فلسطين , وانما اضافة الى ذلك من أجل الجولان والضفة الغربية , مما قاد الى تحسن شروط بقائهم , وسمح لهم بترسيخ الاستبداد والهيمنة عن طريق تكريس الدولة الأمنية الشمولية وتبرير التعبئة الحربية من أجل كذبة تحرير الجولان اضافة الى كامل فلسطين .
لم يترافق فقدان الجولان بالشعور بضرورة المراجعة والنقد الذاتي , لابل قاد ذلك الى انطلاق موجة الامتداح الذاتي من قبل ابطال الفشل , والى ترقية أبطال الفشل , فوزير الفشل تحول رئيس الفشل , ورئيس الفشل رفض استرداد الجولان من أجل عشرة أمتار مربعة …. لم يصاب رئيس الفشل بالجنون لكي يسمح بتناقص المواد الاستهلاكية الضرورية لبقائه , فبقائه أهم من بقاء الجولان سورية , العسكاراتاريا ادركت بأن حرية الوطن هي جمع لحرية الفرد , وأدركت بأن قوة الوطن هي جمع لقوة الافراد أي لقوة الشعب ,ولم يلتبس على الديكتاتورية العسكراتارية أمر الفرق بين استقرار الوطن وبين استقرارهم على الكرسي , بالرغم من ذلك , عملوا , كما هو متوقع , من أجل الكرسي عن طريق اضعاف الوطن , فكلما ضعف الوطن ازدادوا قوة ,وكلما ازدادوا قوة ضعف الوطن !
حارب التيار القومي العربي بديكتاتورياته الشعوب التي ادعى الدفاع عنها , وتحارب أحيانا مع شريكه الاسلام السياسي , الذي اراد حصة أكبر من كعكة السلطة , ففي ظل القمع المشهدي من اعتقالات وسجون وتعذيب والمادة 49 واغتيالات الأشخاص والتفجيرات , نمت الأصولية الدينية تحت عباءة المظلومية وتسربت الى معظم جوانب الحياة السياسية والدستورية , وسجلت انتصارات كفرض الأحكام الاسلامية على قانون الأحوال الشخصية , وقبل فترة قصيرة حل الاتحاد النسائي وترخيص القبيسيات ومؤخرا المشروع رقم 16 , ثم شبيبة الثورة التي تنتظر حلها ومقايضتها بالشباب الاسلامي , كل ذلك برهن عن عدم وجود ضدية مبدئية بين السلطة التي تحولت الى اسلام سياسي شيعي مع الاسلام السياسي السني , كلهم عرب وبالتالي مسلمين , وكلهم مسلمين وبالتالي عرب , انحصر أمر التنافس والتحارب والتقارب بالسلطة والغنائم المادية والمعنوية للتسلط .
تنحصر مسببات استنكاف الاسلاميون السياسيون شيعة وسنة عن محاربة الاستعمار الجديد المتمثل بالفقر والفاقة والاستبداد والاستغلال وانعدام المساواة وانعدام العدالة الاجتماعية ثم انعدام الديموقراطية بعدم المقدرة على القيام بذلك , بسبب غياب المنهجية الضرورية لذلك , ثم غياب ارادة القيام بذلك , فتقدم الشعوب يعني انحسار الديكتاتورية العسكرية والدينية , ومن غير المتوقع أن تعمل الديكتاتوريات على الغاء نفسها ,أتى الديكتاتور ليبقى بأي ثمن , خاصة وأن الشعب هو الذي يدفع الثمن.
نبيهة حنا :syriano.net
رابط المقال : https://syriano.net/2019/12/72839/
