نيسرين عبود :
الظن بأن رحيل داعش سيكون نهائي بعد مقتل البغدادي , وبمجرد الانتصار العسكري على داعش الحالية , هو تنافق بامتياز , لأنه ان لم تتغير الظروف التي قادت الى استيقاظ داعش النائمة منذ قرون ,والتي استيقظت في الماضي عدة مرات , ستبقى داعش مبدئيا ,ولا فائدة من تغيير اسمها الى فاحش أو جاحش أوطائش , نوم داعش لايعني موتها , وموت أميرها لايعني موتها ,فيقظتها يوما ما ليس أقل من حتمية , وقد تكون أكثر دعشنة من حالها حاضرا أو ماضيا , فداعش هي جزء من كينونة واقعنا , عدم تغيير الظروف أي الواقع هو أمر يفرض استمراريتها بالشكل الكامن دائما والشكل المستيقظ أحيانا ,
اعتبار داعش أمر غريب عن المنطقة , أمر جاء به فلان مثلا الأمريكان أو ايران أو المؤامرة أو الأسدية أو النصيرية أو السنية ..الخ كنوع من الاستيراد لبضاعة من ماركة “بذور داعش” ثم زرعها في هذه البلاد , يمثل تجاهلا غبيا للبيئة الثقافية والاجتماعية السياسية لواقع هذه المنطقة الخصبة جدا لزراعة داعش والدواعش وأمثالهم, والقول بأن داعش عبارة تسلل المرض الجهادي من ستة جهات الكون الى المنطقة هو محاولة ساذجة لتبرئة الذات والمجتمعات من داعش وأعمالها وتفننها في ممارسة الانحطاط ,القول بأن داعش ليست من الاسلام بشيئ , يذكرني بحديث رسولي يقول جئتكم بالذبح … الخ , هنا يجب القول عندئذ بأن الرسول لايمثل الاسلام الحقيقي وما تحدث به ليس من الاسلام بشئ !,
داعش أصلا هي وجه من وجوهنا الثقافية والتراثية والاجتماعية , فداعش ليست ابنة الجارية ,وانما هي ابنة السيدة أيضا ,وحتى ابنة السيدة بأصالة , وليس من المبالغة القول بأن داعش أكثر صدقا وانسجاما وانتسابا الى ثقافة هذه المنطقة كما نعيشها ,لذلك لاتبرئة لأحد من داعش , ولا تبرئة للاسلام من داعش , ولا تبرئة لداعش من الاسلام , فداعش جزء منا جميعا , وجزء من ماضينا الداعشي بامتياز, مجازر داعش انحطاط ,والانحطاط هوالقاسم المشترك لكل من عاش ويعيش في المستنقع العربي – الاسلامي الآسن منذ عشرات القرون ,
لدينا عدة وجوه متشابهة من حيث الأصل والهدف والسيرورة ,وداعش هي وجها من هذه الوجوه , كل مافعلته داعش وغيرها كان استنساخا لممارسات في الماضي , تم استحضارها الى الحاضر بأمانة, مع وجود فروق ثانوية “كالمشهدية” , وحتى موضوع المشهدية لم يكن ساذجا , ولم يكن ” للتلذذ” كما ظن ويظن البعض , ,المشهدية هدفت الى صناعة شاهد عمومي على بلوغ الدواعش مرتبة المسلم الأعلى , الذي يهمه أن يكون تسخة طبق الأصل عن الماضي , ويهمه أن يتأكد الغير من كونه نسخة طبق الأصل , هذه هي الأصولية , ولا تختلف اصولية داعش بشكل رئيسي عن الأصوليات الأخرى ….كلهم سواسية من البشير الى ابو بكر.
ممارسة الانحطاط بشكل خفي وتجنب المشهدية في ممارسة الانحطاط , لايحول ممارس الانحطاط بالخفية الى كائن أرقى من الدواعش , ممارسة التستر على المعاصي يمثل ممارسة لاتختلف عن ممارسات داعش من حيث المبدأ , الا أن التستر يضفي على ممارس المنكر صفة سلبية اضافية ,فالداعشي في تستره أشد نفاقا ومخالتة وتلفيقا من الداعشي المشهدي بأضعاف, فمن من الممارسين للمعاصي والسترة لم يقتل الأبرياء ولم يمارس بيع النساء أو الطائفية الحمقاء؟ وهل يختلف ممارسي التنكيل والقهر عن داعش بشيئ ؟, وهل استباحة الأعراض ومصادرة الحريات ممارسة أرقى من ممارسات داعش؟ وما هو الفرق بين ممارس جريمة الشرف وبين الداعشي , ثم بين من يضع نفسه فوق القانون , وبين من يسرق السلطة بالسيف وبين القتل باسم الله…الخ , داعش ليست جسما غريبا ,والغريب هومن لايرى بأن داعش تمثل تجسيدا لثقافتنا الاجتماعية وتراثنا الذي لم يتطور وبقي كما كان قبل عشرات القرون
داعش هي مرآة لواقعنا , وهي متواجدة تحت كل عمامة حولت الاسلام الى تعصب وتكفير ,انها وجهنا الحقيقي المنسجم مع ثقافة القتل والتكفير والكفر والاستبداد الذي يمارس هنا منذ قرون .. قبل أن تشتم ايها المنافق داعش, انظر الى نفسك , وستجد داعش في دواخلك , داعش تسكن في كل منا , والتخلص من داعش لايعني أقل من التخلص من “دعشنة” كل منا, انها كالديكتاتورية التي تسكننا , والفساد الذي يميز طباعنا , لم يجن أحد علينا , لقد جنينا على أنفسنا
Post Views: 466