سومر الياس :
لا يمكن فهم العقلية العربية والاسلامية في العصر الحديث وما يشوبها من عجز قاتل وإشكاليات متعددة معقدة الا عندما نفهم جيدا كيف ينقسم التاريخ الفكري أو الفلسفي للشعوب العربية والأسلامية وكيف يتمايز.
واقع الأمر أن هذا التاريخ يمكن تقسيمه الى اربعة مراحل اساسية متمايزة فيما بينها تمايزا كبيرا و حسب ما انتجته في النهاية من رؤية للإنسان والعالم.
المرحلة الأولى وهي مرحلة ازدهار الفلسفة أو عصر العقل والحرية اذا جازت التسمية أو عصر الإتصال مع الحضارة الإغريقية والساسانية وهي تشمل القرون الثامن والتاسع والعاشر الميلادي على التوالي، وفيها ظهرت معظم المؤلفات الفلسفية والعلمية الهامة أو تلك اليتيمة في تلك الحضارة الى يومنا هذا ان صح التعبير.
المرحلة الثانية وهي القرن الحادي عشر ويمكن تسميتها بالإنتكاسة الأولى لذلك العقل وفيها ظهر الغزالي الذي كتب كتابا كفر فيه جميع الفلاسفة الذين ظهروا في تلك القرون السابقة واتهمهم بأنهم وثنيين واغريق وليسوا مسلمين ويقولون بأزلية العالم وينكرون الخلق، والجدير بالذكر أن الغزالي كان قد ختم كتابه الكارثي تهافت الفلاسفة بالسؤال التالي له حول مصير هؤلاء الفلاسفة والمفكرين حيث سأله أحدهم : الآن وقد كفرتهم فهل نقتلهم؟ لكنه فضل عدم الإجابة على السؤال بدبلوماسية فريدة وتاركا الإجابة علية و تنفيذ مهمة القتل مفتوحة على مصراعيها للأجيال القادمة.
المرحلة الثالثة وهي القرن الثاني عشر ويمكن تسميتها بمرحلة المقاومة ، ذلك أنه حين علم ابن رشد والذي كان يعيش في غرب العالم الاسلامي في قرطبة حجم الكارثة الفكرية التي حصلت في شرق ذلك العالم مع الغزالي كتب وقتها ثلاثة كتب مهمة برئ فيها الفلسفة ورد بها على الغزالي في كل ما إدعى حول الفلسفة، تلك الكتب التي كان مقدرا لها أن تنتقل الى أوروبا في القرن الرابع عشر وتترجم بأمر من ملك بروسيا لإستخدامها في مقارعة رجال الدين المتحالفين مع الإقطاع في ذلك الحين ولتصبح بعد ذلك أساسا مهما لحركة النهضة الأوروبية.
المرحلة الرابعة والذي يمكن تسميتها بالإنتكاسة الثانية والنهائية للعقل العربي والاسلامي وهي مرحلة القرن الثالث عشر مع ابن تيمية و الذي قضى على محاولة الفلسفة الرشدية الأخيرة في القرن الذي سبقه لإنقاذ العقل حيث كفر من جديد إبن تيمية ابن رشد والفلسفة نفسها والغى العقل والمنطق في الاسلام منذ ذلك الحين والى يومنا هذا.
لا يمكن فهم الجريمة التي ارتكبها إبن تيمية بحق الحضارة العربية والاسلامية إلا لدى مقارنته بفيلسوف مثل كانط مثلا، ففي حين يمكن تلخيص كل أعمال كانط ونتائجها أنها كانت وضع للدين ضمن حدود العقل البشري و مقدما بذلك أكبر خدمة للحضارة الغربية في تحريره للعقل الغربي من سلطة اللاهوت ورجال الكنيسة قام إبن تيمية بعكس ذلك تماما بأن وضع العقل ضمن حدود الدين أو سجن ذلك العقل والى الابد ضمن حدود النص الديني التاريخي وآراء الفقهاء وإجماعهم.
والجدير بالذكر انه ومنذ ذلك القرن الثالث عشر وحتى يومنا هذا لم تقدم الحضارة العربية والاسلامية عموما شيئا يذكر للحضارة البشرية سوى نظرة استعلائية عدائية على كل ما تنتجه تلك الحضارة من مفاهيم من جهة أولى، وممارسة طفيلية كسولة وغير مبالية لكل ما تنتجه تلك الحضارة من ادوات للعيش والرفاهية من جهة أخرى و في جو عام من الفوبيا والاتهام بالحقد لكل ما هو من خارج مفاهيم القرن الثالث عشر تلك والتي لازالت المؤسس الحقيقي لعقلها الجمعي حتى يومنا هذا.