حين تتحول الشعوب إلى حجارة شطرنج في لعبة النظام الدولي مع من يقف الله

  Ist möglicherweise Kunst von Text    بين الانتخابات الأميركية والإسرائيلية وصراعات النفوذ ومصالح القوى الكبرى تبدو منطقتنا وكأنها تعيش على رقعة شطرنج لا تملك حق تحريك قطعها ولا حتى معرفة اللاعب الذي يقرر مصيرها

نحن حجارة الشطرنج الحمقاء ودورنا لا يتجاوز أدوار الرسوم المتحركة مع من يقف الله
ليست هذه العبارة مجرد تعبير ساخر عن العجز السياسي بل هي اختزال مكثف لمأساة شعوب وجدت نفسها في قلب صراعات دولية تتجاوز حدودها وتُرسم خرائط مستقبلها في عواصم بعيدة بينما يُطلب منها أن تتحمل نتائج قرارات لم تشارك في صناعتها
في عالم السياسة لا تتحرك الدول بدافع العواطف ولا تُدار العلاقات الدولية بمنطق العدالة المجردة هناك مصالح استراتيجية وحسابات أمنية وأسواق للطاقة والسلاح وتحالفات تتغير وفق مقتضيات القوة أما المبادئ التي تُرفع كثيراً في الخطابات الرسمية فكثيراً ما تدخل في مفاوضات المصالح بوصفها أدوات ضغط أو أوراق تفاوض
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس مع من يقف الله بل من يمتلك القدرة على صناعة القرار ومن يدفع ثمنه ومن يُترك خارج الطاولة ليكتشف لاحقاً أن مصيره كان جزءاً من صفقة لم يعرف تفاصيلها
تجري السياسة الدولية اليوم وسط تنافس القوى الكبرى وتراجع الثقة في النظام الدولي واتساع النزاعات التي تتجاوز حدود الدول وفي الشرق الأوسط لا تبقى آثار الحرب محصورة في ميادين القتال فاضطراب طرق الطاقة والتجارة يرفع كلفة النقل والوقود والسلع ويضغط على الأسعار والدخل وفرص العمل ويحذّر صندوق النقد الدولي من أن استمرار اضطراب إمدادات الطاقة قد يضعف النمو ويرفع التضخم مع تعرض الدول المستوردة للطاقة والاقتصادات الأقل قدرة على امتصاص الصدمات لمخاطر أكبر
شهدت الولايات المتحدة في الثالث من تشرين الثاني 2026 انتخابات التجديد النصفي للكونغرس وأسفرت النتائج عن انتقال السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ إلى الحزب الديمقراطي في تحول سياسي يحدّ من قدرة الرئيس دونالد ترامب على تمرير تشريعاته وتعييناته ويمنح المعارضة البرلمانية أدوات أوسع للرقابة والتحقيق والمساءلة
وقد ارتبطت النتائج وفق تقارير وكالة أسوشيتد برس بمجموعة من العوامل أبرزها ارتفاع تكاليف المعيشة والاستياء من الحرب مع إيران والمخاوف المتعلقة بإدارة السلطة والفساد
لكن السؤال الذي يهمنا نحن في الشرق الأوسط ليس من ربح الانتخابات الأميركية بل ماذا يعني ذلك بالنسبة إلينا
من الخطأ الاعتقاد أن تبدل الأغلبية في الكونغرس يعني بالضرورة تبدلاً فورياً في السياسة الأميركية تجاه المنطقة فالولايات المتحدة ليست رئيساً واحداً بل منظومة مؤسسات ومصالح استراتيجية وتحالفات عسكرية واقتصادية عميقة
ومع ذلك فإن انتقال السيطرة على المجلسين يفتح مرحلة جديدة من التجاذب بين البيت الأبيض والكونغرس وقد يؤثر في
حجم الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل وشروطه
إدارة العلاقات مع إيران ومستقبل المواجهة معها
العقوبات الاقتصادية المفروضة على دول المنطقة
مستقبل الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط
طبيعة التعامل مع التحولات السياسية في سورية
وهنا تكمن المفارقة قد يذهب المواطن الأميركي إلى صندوق الاقتراع احتجاجاً على ارتفاع أسعار الوقود أو تكلفة الحرب لكن تداعيات قراره قد تصل إلى مواطن سوري ينتظر الكهرباء والخبز أو لبناني يبحث عن الأمان أو فلسطيني ينتظر نهاية الحرب
إن صندوق الاقتراع في واشنطن ليس مجرد شأن أميركي إنه أحد المواقع التي تتشكل فيها قرارات تؤثر في حياة ملايين البشر خارج الحدود الأميركية
في السابع والعشرين من تشرين الأول 2026 توجه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع في انتخابات حملت أبعاداً تتجاوز التنافس الحزبي التقليدي
لم يتمكن أي معسكر من الحصول على الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة الأمر الذي أدخل إسرائيل في مرحلة مفاوضات سياسية معقدة
والأكثر أهمية أن الأحزاب العربية حصلت على 19 مقعداً وهو ما منحها ثقلاً برلمانياً غير مسبوق في هذه الانتخابات رغم استمرار الخلافات بشأن إمكانية إشراكها في تشكيل الحكومة
وفي تطور سياسي لافت في الخامس من تشرين الثاني حصل غادي آيزنكوت على تأييد ممثلي كتل تضم 67 عضواً خلال المشاورات الرئاسية مقابل 46 لبنيامين نتنياهو بينما امتنعت كتلة أخرى عن التوصية بأي منهما وهذا لا يعني أن الحكومة الجديدة تشكلت بل إن مسار التكليف وتشكيل الائتلاف لا يزال مفتوحاً
لكن ينبغي ألا نقع في وهم سياسي خطير تغيير رئيس الحكومة الإسرائيلية لا يعني بالضرورة تغييراً جذرياً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية
فثمة ملفات تتجاوز الأشخاص والأحزاب مثل السيطرة الأمنية والوجود العسكري في الأراضي الفلسطينية والتعامل مع إيران والنظرة إلى سورية ولبنان
قد تتغير لغة الخطاب وقد تتبدل التحالفات الداخلية وقد تتراجع بعض السياسات أو تتقدم أخرى، لكن المصالح الأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية ستظل حاضرة بقوة في حسابات أي حكومة جديدة
وهنا يجب أن نسأل هل تعني الانتخابات الإسرائيلية ولادة فرصة جديدة لتخفيف التوتر الإقليمي أم أنها مجرد إعادة توزيع للأوراق داخل النظام السياسي نفسه
الإجابة لا تكمن في أسماء الفائزين وحدها بل في القرارات التي ستتخذها الحكومة المقبلة
إذا كانت واشنطن وتل أبيب وطهران وأنقرة وموسكو تتعامل مع الشرق الأوسط باعتباره مجالاً للمصالح والنفوذ فإن سورية تقع في نقطة تقاطع هذه المصالح جميعاً سورية الجغرافيا التي يدفع أصحابها ثمن صراعات الآخرين
لقد دخلت سورية مرحلة انتقال سياسي جديدة بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024 وأصبحت أمام تحديات تتعلق ببناء الدولة وإعادة توحيد المؤسسات وإدارة التنوع المجتمعي واستعادة الاقتصاد وترميم الثقة بين السلطة والمجتمع
لكن الانتقال السياسي لا يحدث في فراغ
فالتقرير الصادر عن خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي في حزيران 2026 يشير إلى أن العلاقة الأميركية مع السلطة الانتقالية السورية أصبحت أكثر انفتاحاً مع استمرار التساؤلات المتعلقة بالحكم والأمن والنفوذ الخارجي وحقوق الأقليات
وفي الوقت نفسه يشير تقرير مجلس الأمن لشهر تشرين الثاني 2026 إلى أن سورية تواجه ضغوطاً أمنية واقتصادية وتحديات مرتبطة بالتوترات المجتمعية ووضع السويداء واستمرار الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة السورية فضلاً عن تهديد تنظيم داعش
كما أشار التقرير إلى أن ارتفاع أسعار الوقود ساهم في زيادة أسعار الغذاء بنحو 30% بما يفاقم الضغوط على المواطنين
وهنا تظهر المأساة السورية بأوضح صورها
شعب خرج من سنوات طويلة من الاستبداد والحرب لكنه يجد نفسه أمام مرحلة جديدة تتطلب منه إعادة بناء وطنه بينما تتقاطع فوق أرضه حسابات إقليمية ودولية لا يستطيع تجاهلها
إن الخطر ليس فقط في التدخل العسكري أو الضغط السياسي بل في أن تتحول هشاشة الدولة إلى فرصة دائمة للآخرين كي يحددوا ما يجوز لسورية أن تفعله وما لا يجوز لها
فالدولة التي لا تمتلك مؤسسات قوية ولا قراراً وطنياً مستقلاً ولا توافقاً اجتماعياً واسعاً تصبح أكثر عرضة لأن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات
ثمة حقيقة مؤلمة في العلاقات الدولية الدول الكبرى لا تتعامل مع الدول الصغيرة والمتوسطة بالضرورة وفق حجم معاناتها الإنسانية وإنما وفق موقعها في ميزان المصالح من يدفع ثمن لعبة الكبار
ولذلك يمكن أن تتغير الحكومات في واشنطن وتتبدل الائتلافات في تل أبيب وتتغير الحسابات في أنقرة وموسكو وطهران بينما يبقى المواطن السوري أسير الأسئلة نفسها
هل ستتحسن ظروفه المعيشية
هل ستنتهي حالة الخوف وعدم الاستقرار
هل ستُحترم حقوقه السياسية والمدنية
هل ستعود مؤسسات الدولة لخدمة المواطنين
هل ستصبح سورية دولة ذات سيادة أم ستبقى ساحة لتقاسم النفوذ
إن التأثيرات لا تأتي فقط عبر الحروب المباشرة بل عبر أسعار الطاقة وحركة الاستثمار والعقوبات والمساعدات الدولية والتجارة والحدود والقرارات الدبلوماسية
فعندما تتوتر العلاقات الأميركية الإيرانية لا تتوقف التداعيات عند حدود البلدين وعندما تدخل إسرائيل في أزمة سياسية داخلية قد تنعكس حساباتها الأمنية على محيطها وعندما تتصارع القوى الدولية على النفوذ في سورية يصبح الاقتصاد السوري والمجتمع السوري جزءاً من كلفة هذا الصراع
سوريا الضحية الدائمة في حسابات الآخرين
نحن لسنا طرفاً في صراع النفوذ هذا لكننا ندفع ثمنه
وهكذا يتحول المواطن من صاحب حق في تقرير مستقبله إلى متلقٍ لنتائج قرارات الآخرين
ربما يكون أخطر ما في هذه المعادلة أن الشعوب لا تخسر فقط عندما تُهزم عسكرياً بل عندما تفقد القدرة على التفكير في مصالحها المستقلة هل نحن فعلاً حجارة شطرنج
فالحجر في لعبة الشطرنج لا يعرف لماذا تحرك ولا يختار موقعه ولا يعترض على اللاعب الذي يضحي به لحماية قطعة أخرى
أما الشعوب فليست حجارة حتى وإن دفعتها ظروفها السياسية والاقتصادية إلى مواقع العجز
لسنا حجارة شطرنج حين نرفض أن نكون مجرد جمهور للأحداث تبدأ مساحة الفعل من معرفة ما يجري ومقاومة التضليل ومساندة المؤسسات التي تحمي الحقوق وبناء اقتصادات ومجتمعات أقدر على الصمود لا يملك الناس دائمًا إيقاف العاصفة لكنهم يستطيعون تقليل هشاشتهم أمامها ومطالبة قادتهم بألا يجعلوا مصالح الشعوب آخر ما يُحسب على الرقعة
المشكلة تبدأ عندما تتحول السياسة إلى ولاء أعمى لمحور وعندما يصبح نقد القوى الخارجية خيانة ونقد السلطة المحلية مؤامرة والاختلاف الفكري تهديداً للأمن الوطني
عندها تتوقف الشعوب عن مساءلة اللاعبين وتبدأ بالدفاع عن اللعبة نفسها
وفي الحالة السورية تحديداً لا يمكن بناء مستقبل وطني بمجرد استبدال تبعية بتبعية أخرى أو استبدال شعارات أيديولوجية بشعارات جديدة
إن الاستقلال الحقيقي لا يعني العزلة عن العالم ولا يعني رفض العلاقات الدولية بل يعني امتلاك القدرة على التفاوض مع الجميع وبناء العلاقات وفق المصالح الوطنية لا وفق الولاءات السياسية والعقائدية
فسورية تحتاج إلى علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا والدول العربية كما تحتاج إلى إدارة واقعية لعلاقاتها مع إسرائيل دون التفريط بحقوقها أو سيادتها
والأهم أنها تحتاج إلى عقد اجتماعي يجعل المواطن شريكاً في القرار لا مجرد جمهور يُستدعى للتصفيق عندما تنجح السلطة وللصبر عندما تفشل
ربما يكون هذا السؤال هو الأكثر إيلاماً في النص كله
مع من يقف الله
حين يشاهد الإنسان الحروب والدمار والتهجير وحين يرى أن القوي يمتلك القدرة على فرض روايته وأن الضعيف يُطلب منه دائماً دفع ثمن التوازنات يتساءل أين العدالة في عالم كهذا
لكن الله ليس حزباً سياسياً ولا حليفاً عسكرياً ولا ورقة تفاوض في يد دولة أو زعيم أو أيديولوجيا
ولا يجوز لأي سلطة أن تحتكر الحديث باسمه أو أن تمنح سياساتها حصانة أخلاقية لمجرد أنها ترفع شعارات دينية
من الخطير أن نُسقط صراعات البشر على السماء
إن العدالة لا تُقاس بما يقوله الحكام عن أنفسهم بل بما يفعلونه تجاه الإنسان وكرامته وحقوقه
وإذا كان العالم يتحرك بمنطق القوة فإن مسؤولية الشعوب أن تصنع لنفسها أدوات القوة السياسية والمعرفية والاقتصادية لا أن تنتظر من اللاعبين الكبار أن يتذكروا وجودها
إن الانتخابات الأميركية والإسرائيلية والتحولات الدولية والإقليمية ليست أحداثاً بعيدة عن حياتنا كما قد يعتقد البعض إنها محطات تعيد تشكيل موازين القوة وقد تفتح فرصاً جديدة أو تخلق أزمات إضافية لكن نتائجها ليست قدراً محتوماً على شعوب المنطقة لا نريد أن نكون قطعاً على رقعة أحد
المشكلة ليست أن العالم يمتلك لاعبين كباراً فهذه طبيعة النظام الدولي بل أن بعض شعوبنا لم تنجح بعد في التحول من موضوع للصراع إلى طرف قادر على التأثير فيه
نحن لا نحتاج إلى لاعب دولي يتبنانا ولا إلى محور يمنحنا شعوراً مؤقتاً بالحماية ولا إلى زعيم يقنعنا بأنه وحده يمتلك مفاتيح النجاة
نحتاج إلى دولة مؤسسات واقتصاد منتج ومجتمع مدني مستقل وقضاء عادل ومواطنة لا تميز بين إنسان وآخر على أساس الدين أو الطائفة أو القومية أو الموقف السياسي
نحتاج إلى سياسة تعرف أن الصداقة الدولية ليست بديلاً عن المصلحة الوطنية وأن التحالفات ليست عقود ملكية للشعوب وأن السيادة لا تُمنح كهبة من الخارج بل تُبنى في الداخل
ففي لعبة الشطرنج الدولية قد يضحي اللاعب الكبير بحجر صغير كي يحمي ملكه وقد يغير تحالفاته دون أن يعتذر لمن خسروا حياتهم بسبب قراراته لكن الشعوب ليست حجارة والأوطان ليست ساحات تجارب والتاريخ لا يعفي العاجزين عن صناعة مستقبلهم من مسؤولية ما يحدث لهم
أما السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا اليوم فليس مع من يقف الله
بل متى نتوقف عن انتظار أن يختار لنا الآخرون موقعنا على الرقعة ونبدأ نحن باختيار مستقبلنا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *