ما شروط بناء مسار انتقالي مستقر؟
من أسباب تعثّر المسار الانتقالي في سوريا غياب الحوار الجاد، ليس فقط بين السلطة والمكونات، بل بين المكونات نفسها. فانعدام الثقة المتبادلة ليس مجرد شعار، بل واقع تراكم عبر سنوات من العنف والتجارب المأساوية والخطابات التي صوّرت كل طرف تهديدًا وجوديًا للآخر.
تزداد المشكلة تعقيدًا عندما تتعامل السلطة مع الحوار المجتمعي بوصفه تنازلًا منها، لا حقًا مشروعًا للسوريين وأحد شروط شرعيتها السياسية. فالمشاركة في تقرير الشأن العام ليست منحة من السلطة، والمطالبة بالحقوق ليست مظهرًا من مظاهر الضعف. وعندما يُنظر إلى المشاركة والاختلاف كتهديد، يُعاد إنتاج منطق الاستبداد القديم: السلطة مصدر الشرعية، والشعب متلقٍّ لا شريك في القرار.
هل يمكن بناء الثقة؟ نعم، لكنها لا تُعلن في بيان، ولا تتحقق بمجرد الدعوة إلى المصالحة، بل تُراكم عبر سلوك عملي يقوم على أربعة أمور:
– توفير أمن متبادل: لا استهداف انتقائي، ولا حماية لمكوّن على حساب آخر، ولا توظيف للأجهزة الأمنية في تصفية الخلافات السياسية أو المجتمعية.
– بناء مصالح مشتركة ملموسة: من خلال مشاريع اقتصادية وترتيبات محلية تجعل الاستقرار مصلحة مشتركة، وتُظهر أن خسارة طرف ما تنعكس على الجميع.
– إجراء محاسبة عادلة: تعترف بالانتهاكات وتضمن إنصاف الضحايا، من دون أن تتحول العدالة إلى انتقام جماعي أو تحميل جماعات كاملة مسؤولية أفعال أفراد منها.
– إنشاء مؤسسات محلية فاعلة: تمنح الناس دورًا في إدارة شؤونهم اليومية، وتشعرهم بأن القرارات التي تمس حياتهم ليست مفروضة عليهم من خارج مجتمعاتهم.
غير أن الحوار لا يمكن أن يكون بلا شروط. فلا يكفي الجلوس إلى طاولة واحدة، بل يحتاج إلى استعداد من السلطة للتعامل معه باعتباره أداة للحكم والمشاركة في اتخاذ القرار، لا مناورة سياسية أو وسيلة لاحتواء الاعتراضات. كما يحتاج إلى استعداد من المكونات لرفض التعميم الذي يحمّل جماعة كاملة وزر أفعال أفراد منها، مع الاعتراف بوجود ضحايا فعليين وبحقهم في الإنصاف. ويحتاج كذلك إلى مساحات آمنة تتيح النقاش والاختلاف دون خوف أو تهديد.
ويقتضي ذلك أيضًا ألا يتحول الحوار إلى تفاوض بين كتل مغلقة يدّعي ممثلوها احتكار الحديث باسم جميع أفرادها. فالمكونات ليست جماعات متجانسة، بل توصيف لتنوع اجتماعي وسياسي تتعدد داخله الآراء والمواقف والمصالح. ولا يمكن بناء تفاهمات مستدامة إذا جرى اختزال هذا التنوع في ممثلين يحتكرون التعبير عن جماعاتهم.
والثقة تُبنى من الأسفل بقدر ما تحتاج إلى ضمانات من الأعلى. فالتجارب المحلية الصغيرة التي تنجح في تهدئة التوتر عبر ترتيبات عملية قد تكون أكثر أثرًا من المؤتمرات الكبيرة والبيانات السياسية. وهي لا تستطيع الصمود وحدها؛ إذ تحتاج إلى إطار وطني يحميها، ومؤسسات قضائية مستقلة تضمن الحقوق، وسلطة تحترم هامش القرار المحلي بدل أن تسعى إلى احتوائه أو تفريغه من مضمونه عندما لا يتوافق مع حساباتها.
السؤال إذن ليس: هل يمكن إطلاق حوار جاد وبناء الثقة؟
بل: من لديه المصلحة في جعلهما ممكنين، ومن يستفيد من استمرار غيابهما؟
هناك من يستفيد من اقتصاد الحرب وتجارة الحدود والإتاوات، وهناك من يوظف الفوضى لتوسيع نفوذه، وهناك أطراف خارجية ترى في سوريا المنقسمة ورقة ضغط أكثر فائدة من سوريا المستقرة. وقد تختلف هذه المصالح ولا يجمع أصحابها تنسيق أو تحالف، لكنها قد تتقاطع عند إدامة الانقسام وإضعاف فرص استعادة الدولة.
لهذا، لا يمثل الحوار ترفًا أخلاقيًا أو مجرد وسيلة لتخفيف التوتر، بل هو اختبار لقدرة السوريين، سلطة ومجتمعًا ومكونات، على الانتقال من منطق الغلبة والشك المتبادل إلى منطق المشاركة والضمانات والمساءلة. فاستعادة الدولة لا تبدأ بتوحيد المؤسسات وحده، بل ببناء علاقة سياسية واجتماعية تجعل العيش المشترك ممكنًا، والاختلاف آمنًا، والحقوق مصونةً.
