م. بيطار , جورج بنا :
بعد أي كلمة أوعبارةتخص الدين يشعر البعض بأنهم متهمون ,وبأنهم أزاء محاولة جديدة للاساءة الى الدين , والمشكلة هنا لاتتعلق بفداحة مايقال عن الدين وعن اتباعه , انما بدوغماتيكية الفكر الديني, الذي لايتقبل النقد صغيره أو كبيره , الثوابت والمقدسات لاتسمح بأي نقد , وكل نقد يجب أن ينتهي بالتخريس ,وللتخريس أشكل وأنواع من أهمها القضاء على الناقد عن طريق رجمه بالتخوين والتكفير والتآمر ووابل من الشتائم والانتقاصات المقرونة بالمديح المنتفخ للدين السمح والدين الذي لايعرف الارهاب والترهيب , المشكلة تتعلق اضافة الى ذلك بوضع الانتماء الديني المذهبي في نظام الدولة الحديثة , الدولة الحديثة والوطن الحديث يتطلب انتماء أوليا لايستقيم مع الانتماء الأولي العشائري أو المذهبي أو العرقي ,يبدو أن بعض العرب أو المستعربين يعيشون في عصر لايناسبهم وليس بامكانهم الانسجام والتفاعل مع خواصه ومفاهيمه ومتطلباته ,انهم سجناء الماضي لقناعتهم بكون هذا الماضي كان مجيدا لكونه من صنع الدين,لذا يجب التمحور حول الدين صانع المجد !.
بالنسبة للمنمحورين حول الدين يمثل الدين بارهابه وترغيبه المعنى النهائي للحياة , انه بداية ونهاية تاريخ الشخص الأرضي ومصدر أبديته السماوية , وسيان ان كان هذا الاعتقاد خاطئ أو صحيح , المهم هو اليقين الذي لايزعزعه الا القضاء على الجهل , وأين شعوب المنطقة من القضاء على الجهل؟ , عندما لم تتمكن هذه الشعوب لحد من القضاء على الأمية الأبجدية , وماذا عن المعارف واكتسابها وصناعتها , وماذا عن الثقافة وفي النهاية ماذا عن الفكرالبناء المتطور !.
لكل ماذكر علاقة أساسية مع خارطة ادراكية يقينية مسبقة , يأتيك المؤمن بقلب وعقل مفتوح وبسلاح مصدره التراث الديني من آيات وأحاديث وقيم موروثة , وعند أول مفارقة أو تباين بوجهات النظر ينكمش المؤمن على خارطته الادراكية المسبقة التي لايمتلك غيرها , يقف مشدوها وعاجزا ومنزوعا من السلاح الفعال , وفي حالة منذرة بالاستسلام يلجأ الى اغتيال نظيره أو محاوره بالاقصاء او الاعدام الاجتماعي أو الاعدام الأخلاقي أو الوطني أوبتقزيم المحاور وتشويهه عن طريق اعتباره كلبا أو ذئبا أو ارنبا أي حيوانا وليس انسانا , الأمر ينتهي بالشقاق الذي كان له أن ينتهي بالوفاق , بدلا من تناسل الاختلاف لتوليد الابداع , يتحول الاختلاف الى خلاف وبالتالي الى ازمة قد تنتهي بالغاء الآخر فيزيائيا , وكم من مشاجرة انتهت بمجزرة !.
مقابل هذه النظرة التشاؤمية, التي تنذر بعدمية حاضرة ومستقبلية من الصعب التصالح معها, ومن الصعب الاستسلام للدونية وكأن كرموزومات هذه الشعوب من نوع سيئ كالبضاعة الصينية ,هناك من لايرى الأمر كما نراه وهناك من يرى مخلوقاتنا متدينة الا أنها مسكونة بالمدنية ,مخلوقات كغيرها من المخلوقات البشرية , الا أنها مجذوبة ومقيدة بشدة من الخارجي الديني الذي ينافس الفكر الداخلي ويمنعه من التمظهر وقد يصرعة اذا استلزم الأمر , انها ديكتاتورية دينية تمنع صناعة الفكر ذاتيا , وتمنع تكوين ادراكية ذاتية واستقلالية حتى في أبسط أمور الحياة , فمعارك الشعوب مفروضة وأداة القتال مفروضة , وهناك صعوبات جمة في الخروج من دائرة الدفاع المستميت أو بالأحرى المميت عن مواقف غريبة عن الذات مثل الخرافات أو تعدد الزوجات والجنة الخ , التي ستكون مسكن المؤمن مهما فعل على الأرض , وفي الحديث قيل حتى ان زنى وسرق, وللتأكيد على صحة عبارة عبارة “حتى ان زنى وسرق ” كررت هذه العبارة مرتين !.
يتحول الفكر الخارجي العالمي الملزم بالضرورة والمقدرة الى اعتباره عبئ أو استعمار عندما لايتفق هذا الفكر مع اليقينات الشخصيةالمفروضة ايضا من الخارج الديني , طغيان هذا الفكر يرغم المؤمن على التشدد في الدفاع عن قوقعة افكاره ,دون امكانية أو ارادة الدفع بما يريد الى حيث يريد وكيفما يريد ,تلك هي صورة معبرة عن تقزم الذات وانكماشها عند مواجهتها لفكر قوي مناقض ليقيناتها , لكنه حسب ميزان القوى ملزم لها ,بالحصيلة يتحول هذا المؤمن الى ازدواجي قسرا , أي منفعل قسرا من الخارج وليس فاعلا من الداخل .
يتطلب واقع الازدواجية علاجا ,ولا علاج دون احياء العقل النقدي , الذي ضمر ومات بفعل المقدسات , التي قضت على التطوري الابداعي للانسان , لايختلف انسان هذا الشرق عن انسان الغرب من حيث كونهم جميعا يريدون الأفضل دائما , والأفضل يخص الحاضر والمستقبل , ولايمكن أن يخص الماضي الا من ناحية اعتبارية تكاذبية كاعتباره مجيدا بدون مجد , لابد من احياء ” أدب الاعتراف” , ولا بد من الاعتراف بأن التقدم والتأخر من صنع الانسان حصرا وليس من صنع السماء او القدر ,لابد من ثورة على الذات المسؤولة عن شكل وترتيبات الحياة !.
