صدق من قال ان العودة الى الماضي تمثل الفشل في التصدي لمشاكل الحاضر , التي يولد بعضها في الماضي ويستمر في الحاضر , هذا الاستمرار ينفي الصفة الماضوية البحتة للمشاكل , التي تزمن وتصبح حاضرا احيانا , من هذه الاشكاليات قضية الانتماء والمواطنة السورية , ثم تناقض أو توافق هذه الهوية مع الهوية العربية أو الاسلامية , ثم مشكلة بناء دولة سوريا او على الأقل تعثرها وعلاقة ذلك مع ادارتها ورعايتها في القرن الأخير .
من هم السوريون وماذا يريدون ؟ ببساطة يمكن القول ان السوريون منتجا تاريخيا وليسوا منتجا مريخيا سقط من السماء , للسوريات والسورين وطنا عليه أن يكون مستقرا انسانيا ديموقراطيا حرا …الخ , لذا لابد من فهم التاريخ وعلاقته مع الوضع الحالي السيئ والمؤسف , ليس بقصد الجلد الذاتي , كما يحلوا للبعض تسمية هذه العملية .
تاريخيا بدأت عربنة وأسلمة سوريا بانطلاق جيوش الاحتلال او الفتح العربي البدوي من الجزيرة العربية باتجاه بلاد الشام والعراق وغيرهم من المناطق , اذ كانت تلك المناطق تحت حكم الرومان والفرس لعدة قرون , لقد قيل أن جيوش البدو أتت لتحرير بلاد الشام والعراق من قبضة الفرس والرومان , ثم تجاوزت هذه الجيوش حدود بلاد الشام والعراق في تقدمها شرقا وغربا باتجاه بلاد الفرس والأهواز وخراسان وتركمانستان حتى بلاد الهند والسند ,غربا تجاوزت تلك الجيوش مصر الى شمال أفريقيا وصولا الى اسبانيا ,وذلك في زمن قياسي بمعايير ذلك الزمن , لم تعود تلك السرعة الى قوة بدو العرب الاحتلالية الخارقة ,انما للوهن العسكري للقوى التي سادت في ذلك الزمن , فملائكة السماء لم تحارب مع العرب بعكس ما تقوله الأسطورة وبعكس مايدعون , الملائكة لاتحارب ولا تحتل ولا تفرض الجزية ولا تقتل .
أصاب الوهن امبراطوريات الشرك والكفر لعدة أسباب , منها استنزاف هذه الأمبراطوريات بالحروب الطويلة والصراعات الدامية ثم شيخوخة هذه الأمبراطوريات, مما سهل مسعى القبائل الفتية التواقة الى حصيلة أكبر وأفضل من حصيلات الماضي أي غنائم الحرب , فالغزو كان مهنة قبائل ما قبل الاسلام واستمر في الاسلام , وغنائم الحرب كانت مصدر رزقهم , بقيت ثقافة الغزو في الاسلام , الذي وضع لتوزيع الغنائم احكاما وقواعد لانزال نعيشها ونعرفها حتى في هذا العصر, فالراية كانت اسلامية , أما العقلية والممارسة فقد كانت جاهلية بدوية بامتياز .
لقد جاء في تعريف الفتح أنه ” دخول الإسلام إلى البلدان التي انتشر فيها بعد حروب ومعارك ” , يعني ذلك عمليا أن المسلمين دخلوا إلى كل تلك الأصقاع بعد حروب ومعارك طاحنة بين قوى الشر أو الكفر الحاكمة وجيوش العرب الظافرة المنتصرة في ذلك الحين , أو بمعنى آخر يمكن القول ان اعتناق سكان تلك الأقاليم للإسلام كان نتيجة من نتائج الحرب وليس مقدمة لها , لم يكن الولع بالدين هو سبب الاسلمة ,حسب نظرية ابن خلدون الذي قال ” المغلوب مولع – في الوعي واللاوعي – بتقليد الغالب” السبب الحقيقي كان الهلع والخوف من السيوف ولم يكن الولع بحضارة البدو .
لقد قامت في تلك الأقاليم والولايات على أنقاض الادارات القديمة ادارات عربية بدوية معينة من قبل المركز, وتابعة له و تتلقى الأوامر منه , عسكر وادارة مهمتها الأساسية كانت إخضاع شعوب الإقليم المحتل وإلحاقه بالمركز , ثم جباية الخراج و إرساله إلى بيت مال الخليفة العربي القريشي , والسؤال الذي يجب الاجابة عليه ونحن في مطلع الألفية الثالثة : هل يمكن أو يجب بمعايير الزمن الحالي التمييز بين الفتح و الاحتلال ؟؟ وإن كان ذلك ممكنا وكان بمقدورنا اعتبار ذلك فتحا حقا – بمعنى عمل يأمر به ويحث الدين عليه أو عملا محببا مرغوبا يتمناه أهل الأقاليم المفتوحة في وعيهم أو لا وعيهم , فلماذا توقف الفتح , وهو عمل مرغوب ومطلوب من غير المسلمين التواقين للخلاص والعدل والسلام والاسلام ,الذي انعم الله عليهم به دون غيرهم ؟
سيقول المجتهدون ان سبب توقف الفتوحات عاد الى تفرق كلمة العرب و المسلمين و تناحرهم وضعف إيمانهم و بعدهم عن دينهم وعجز قادتهم الخ, وهل كانت تلك التبريرات مقنعة ؟ وعلى فرض التمكن من الفتوحات مجددا في ظل معطيات جديدة يحملها الغيب والحلم الذي يراود البعض , فهل سيقتدر الفاتحون الجدد على تبرير ذلك لأي من أمم الأرض بطريقة ما ؟؟ حتى لو كان الهدف منه حقا نشر الدين والعدل والفضيلة والسلام والاسلام …!!!
لايزال تفهم وتمجيد الفتوحات حاضرا في أمخاخ البعض , هناك في هذا العصر من لايعتبر غزو عرب الجزيرة احتلالا , انما فتحا مبينا وممثلا لارادة الهية ,وهل اراد الله حقا افلاس واندثار الأوطان تحت الادارة العروبية -الاسلامية- العثمانية, ولماذا كان الله شريرا بهذا الشكل ؟ ,لقد خلقت الفتوحات في البلدان والمناطق المفتوحة فئة غريبة عن الأوطان الحالية كسوريا ,وغريبة عن مصالح هذه الأوطان الجديدة , من هذه الفئات مثلا العثمانيين السورين ثم المستعربين العروبيين , الذين اهتموا باحتلال تركيا لسوريا وساعدوا تركيا في عملية احتلال أجزاء من سوريا ,هؤلاء يدعون بأنهم سوريين , مثلهم ممثل العروبيين , الذين رحبوا باحتلال عرب الجزيرة لما يسمونه وطنهم سوريا أو بلاد الشام , ماهو هذا المواطن السوري ؟, الذي اراد من تركيا احتلال بلاده ومن قريش احتلال وطنه , انه مواطن غريب عجيب !!!, ليس من العجيب ان يندثر وطن , يعمل العديد من مواطنيه على افنائه .
الاحتلال أو الاستعمار ليس خيار , ولا تبرر حضارة بدو الجزيرة , التي يروج المجانين والمغيبين عقليا لها , احتلال سوريا مهما تفوقت حضارة بدو الجزيرة على حضارات العالم أجمع , بخصوص التحضر والحضارة لم تمثل سوريا ارضا وشعبا ذلك الغائب عن التحضر بشكل عام , فمن يتجول في سوريا يرى الكثير من الشواهد عن الحضارة السورية , ومن يتجول في السعودية أو في الأناضول لايرى شيئا من هذا القبيل , لذلك ليس من المنطقي تبرير احتلال سوريا من قبل سليم الأول أوخالد ابن الوليد بضرورة رفع مستوى سوريا حضاريا , التبرير بالتحرير والتحضير ساقط واستبدال مستعمر بآخر أسوء منه ساقط ايضا!.
البدوية لم تحرر انما استعمرت مناطق متحضرة بقصد نهبها , وهل ينطبق ذلك التحرير على بلاد فارس واسبانيا والسند والهند ؟ ومن أي مستعمر حرر بدو الجزيرة تلك المناطق؟ , ثم يبرر العروبيون الفتوحات بكون سكان سوريا من اصول عرقية عربية , هل كون السوريين من أصول عربية مبرر لاحتلال بلادهم من قبل بدو الجزيرة العرب ؟ فأهلا وسهلا بالأعارب مهما كانوا وكيفما كانوا , فبدوي الجزيرة أقرب لنا من فينيقي أوغاريت , ومصلحة خالد ابن الوليد وعمر ابن الخطاب أهم من مصلحة زنوبيا ومصلحة حمو رابي , فنحن عرب قبل أن نكون سوريون , وبين مصالحنا والمصلحة البدوية هناك تطابق تام , نريد أن نحتل بلادنا كما احتلها ابن الوليد ونريد ان نستعمر اوطاننا كما استعمرها ابن الوليد وان ندفع الجزية ونحن صاغرون !!!.
لقد كانت هناك العديد من الفرص والمناسبات , التي سمحت للطوابير الخامسة بالتجنس سوريا والابتعاد عن غربة العروبة والاسلام السياسي , الا أن الطوابيرأصرت على العمالة وعلى خيانة الأوطان وعلى ممارسة الاستعمار الداخلي , لم تستوعب طوابير الخيانة نهاية العصر العثماني ونهاية العصر العروبي , ولم يستوعب هؤلاء مفهوم البديهية التاريخية , التي تؤكد عدمية المساعي العروبية والاسلامية السياسية في سوريا , بالنتيجة سيتم القضاء على الأذيال العثمانية وعلى الأذيال العروبية , انها مسألة وقت فقط !