نكاد نجزم بأن الثقافة البدوية الرعوية مهيمنة على المجتمعات العربية , فمعظم أو حتى كل مسلكيات هذه المجتمعات عبارة عن تمظهرات لهذه البدوية الرعوية ,التي تتميز بخواص عدة منها ومن أهمها ظاهرة الانكار وانعدام المقدرة على رؤية السلبيات , التي يجب تصحيحها واقعيا وليس تلفيقا من خلال تمظهرات التفاخر والتكابر والغرور والانتفاخ , فالثقافة الرعوية لاتسمح عمليا بممارسة الموضوعية , لا اعلان عن وجود الضعف ولا اعلان الاعتراف بالهزيمة ولا اعلان عن الوقوع بالخطأ , فالرعوية لاتخطئ وهي دوما على حق, والبدوية الرعوية حتى في سلبها ونهبها على حق ! , لأنها تسترد ما يعود أصلا لها , وما يمكن لسيوفها تحقيقه , البدوية لاتنتقد ذاتيا ولا تعتذر , لأن النقد الذاتي مذلة والاعتذار فضيحة , ومن يدعي بخطا هذه الفرضية عليه القاء نظرة عابرة على تعامل العقل الجمعي والشخصي مع ظاهرة الابادات الجماعية , وكيف يبرروها ويشرعوها !, فتقتيل حوالي 1,5 مليون أرمني كان واجبا وطنيا , وتذبيح بني قريظة كان انقاذا للدين , وذبح بن نويرة كان تطبيقا لقانون الضرائب , والسطو على زينب كان تنفيذا لأمر الهي الخ .
تتمظهر البدوية الرعوية في سياق “الحوارات “باستخدام كل الأسلحة المتوفرة من أجل سحق المحاور أو الخصم الفكري سحقا لانجاة منه , يتحول الحوار تحت الصيغة الرعوية البدوية الى تعارك ومنازلة من أجل كرامة الفرد وكرامة عائلته وقبيلته وكرامة مليار ونصف من المؤمنين ,لايعرف حوار البدوي الا مخرج النصر أو الهزيمة , كالمنازلة بين فرسان القبائل اما قاتل أو مقتول ! , وحتى لو كان للهزيمة أسباب موضوعية , فالهزيمة توازي فقدان الشرف والكرامة, فمن ضرورات الحوار سحق الخصم الفكري بالشتم مثلا , والسحق ضروي لأنه لامجال لتغيير القيم المتجذرة في النفوس عند البدوية , وحتى بقاء الخصم حيا يمثل بالنسبة للبدوية الرعوية مذلة أو فضيحة ! .
أما عن التعامل مع شرف البنت , فالبدوية الرعوية تتمظهر هنا في أجلى صورها ,حماية شرف البنت يتطلب تصفية من لوث شرف العائلة , وعند عدم التمكن من ذلك تتم تصفيتها وازالتها من الوجود , ثم اعلان الانتصار والتفاخر بالفعلة , عملية جريمة الشرف تمثل ازالة ارهاب فقدان الشرف بوسائل لاتمت للشرف بصلة , حماية الشرف لاتتم بتكريس اللاشرف , لاتتم بالتوحش العابر حتى لحدود الغابة , لاتتم بالنذالة والانتفاخ وتورم الأنا ثم ممارسة العنتريات والمزايدات والأنانيات والتوحش .
يرفض العقل البدوي الرعوي ممارسة التحليل والتفكيك , لأن التحليل والتفكيك يسيران باتجاه معاكس للقطعية البدوية , التي لاتعرف الا مصداقية حد الثوابت وحد السيف الذي يفصل بين الحياة والموت , السيف هو من مستلزمات الحياة البدوية الرعوية , انه مصدر الرزق , بالسيف نهبوا ودافعوا عن مسروقاتهم اي غنائم الحرب , وبحكم الاعتياد على ثقافة السيف مارسوا التحارب والصراعات الدامية احيانا كرياضة وهواية , لذا فان تمظهرات القوة وشدة البأس والتفاخر بالعنف كانت من خصائص البدوية , التي ارتشحت في حياة الحضر والمسيطرة على ثقافة الحضر في هذه المنطقة , بذلك سارت الأمور بعكس المنطق ,الذي يرى أنه من الطبيعي أن يوجه الحضر المتقدم الثقافة البدوية المتأخرة , التي ترتكز على معادلة اعلاء شأن الذات وخفض شأن الآخر , فمجرد وجود الآخر هو بمثابة تهديدا لها , لذلك يجب الغاء الآخر بأي وسيلة كانت .
احترام البدوية الرعوية لنفسها هو ترجمة لاحترام الآخر لها ,واحترام الآخر لايعني الا انصياع الآخر ودونيته , لاينبع نظام الفضيلة عند البدوية الرعوية من داخلها , انما من تصور الآخرين لها بشكل ثنائية شموخها -انحدارهم , البدوية الرعوية لاتنظر الى دواخلها وانما بصورتها في ذهن الآخر , عموما من الجهل الشنيع أن تتخفى خلف ظن الناس بك , ظن تمليه هيمنتك عليهم وخوفهم من سيفك واعتمادهم على فتات مكرماتك , كما هو الحال مع العديد من الزعماء العرب !.
ما ذكر ليس الا نماذج عن العقل البدوي الرعوي الذي كان له الانحسار أمام الحضر , والدين الذي اراد الحد من البدوية عن طريق ترسيخ مفهوم “الأمة” , انصاع حتى في السقيفة الى منطق البدوية , وتبنى منظمومة فضائلها المتمثلة بمنطق السيف والقهر والغلبة , البدوية الرعوية انقلبت على الدين وهيمنت عليه وقولبته بقالبها , والقولبة فعالة حتى هذه اللحظة .
تعيش شعوب المنطقة في بيئة صنعتها العقلية البدوية المتمحورة حول العنف والسيف وذهنية الراعي والرعية , هذه العقلية حولت الانسان الى مجرد “اداة” تنتظر الحصول على حقوقها بشكل مكرمات من قبل الراعي , فحقوق المواطن مرتبطة بمكرمات الراعي وليس بواجبات الدولة تجاه المواطن , تؤسس هذه الحالة المؤطرة باطار أو هالة العطاء الى تغيير صيغة الحقوق , من صيغة الحقوق المكتسبة الى صيغة الحقوق الممنوحة , صيغ لاتخضع لمفهوم العدالة أو القانون , صيغة توهم الخادع والمخدوع , توهم الراعي الخادع بأنه متفاني في سبيل الآخر , وتوهم المخدوع من الرعية بأنه نال حقوقه ! , التي تتمثل بارضائه , أي ارضاء البعض من المتملقين! , فالارضاء شيئ والحقوق شيئ مختلف تماما.
فرض العقل البدوي الرعوي منظومة حكم لاتمت الى فلسفة الدولة بأي صلة , وحتى تصنيف من يحكم ويتحكم بشعوب المنطقة بين المحيط والخليج في مصنف ماقبل الدولة كان اجحافا بمفهوم ماقبل الدولة , ليس بامكان البدوية الرعوية تأسيس دولة بل في أحسن الحالات تأسيس قبيلة الى جانب قبائل أخرى تتصارع مع بعضها البعض وتنهب بعضها البعض , لامناص بدويا من النهب الذي نسميه فساد غنائم الحرب وحديثا يسمى تعفيش , الفساد ليس من صنع الراعي فقط انما من صنع الراعي والرعية , أي من صنع مخ البدوية الرعوية .
نعتبر مكافحة العقلية البدوية الرعوية أساس لثورة ثقافية على الذات ,ثورة تغير شغف البشر بممارسة الفساد والاعتماد على اقتصاد المغازي , وتقلل من قابلية البشر لتحمل وتقبل الديكتاتوريات , وتهيئ المجتمع للديموقراطية والتحرر , البدوية الرعوية هي استعمار ثقافي , ولطالما بقي هذا الاستعمار فسيبقى التأخر , وستبقى الديكتاتوريات وسيبقى الفساد والاستعباد!,