الإقناع والطاعة الإعلام في سوريا بين الرواية الرسمية وحقّ الجمهور في المعرفة

فارس  دينو:

May be a doodle of bird      لا يهدف نظام الإعلام في سوريا إلى إقناع الناس بصحة الرواية الرسمية بل إلى ضمان طاعتهم فحسب الحقيقة ليست معنية بهذا النظام بل الخضوع هو المعني

ليس المطلوب أن يصدّقوا الرواية الحكومية بقدر ما يُراد منهم أن يتصرفوا كما لو أنهم صدّقوها هنا لا يعود الإعلام وسيلةً لنقل الوقائع ومساءلة السلطة بل يتحول إلى أداة لضبط المجال الممكن للكلام يحدّد ما يجوز قوله ومن يحق له قوله وأيّ أسئلة ينبغي أن تبقى بلا جواب
إن عقد مقارنة بين منظومة الإعلام ونظام الدعاية النازي ليس مبالغة بلاغية بل هو مقارنة مبنية على تشابه بنيوي في التصميم المؤسسي والمنطق التشغيلي وقد صرّح وزير الدعاية النازي غوبلز بأن جوهر الدعاية لا يكمن في جعل الناس يصدّقون رأياً ما بل في جعلهم يتبعون وهذا المبدأ التأديبي هو بالضبط المفتاح لفهم تطور الإعلام الرسمي السوري
في سوريا كما يصف منتقدون وناشطون ومراقبون عملت وسائل إعلام رسمية ومقرّبة من السلطة ضمن بيئة شديدة التقييد تضع الرواية الرسمية في مركز المشهد وتضيّق المساحة المتاحة للروايات المستقلة أو المعارضة وحين تُختزل الأخبار في صوت واحد لا يكون الخلل في نقص التنوع فحسب بل في تحويل الجمهور من متلقٍّ يملك حق السؤال إلى جمهور يُطلب منه الاصطفاف

إن تحديد الإعلام الرسمي السوري أصل المنطق التأديبي لموقع الإعلام تجاوز منذ البداية وظيفة نقل المعلومات إلى الطاعة مازال الإعلام السوري خاضعاً لرقابة حكومية صارمة وحافظت وسائل الإعلام الرسمية على احتكار شبه كامل للمشهد وفي ظل هذا الإعلام الرسمي لم تكن المهمة الأولى للإعلام نقل الوقائع بل إنتاج رواية رسمية مستقرة وظيفتها الجوهرية ليست الإقناع بل رسم حدود ما يمكن مناقشته وما يجب إسكاته

لم يكن معيار الحكم على صحة معلومة ما هو مطابقتها للواقع الموضوعي بل مدى خدمتها لاستمرار السلطة فالمعلومة تحلّ محلّها الطقوس والإقناع يحلّ محلّه التغطية

من الحقائق التي كثيراً ما تُغفل أن حرب الإعلام في سوريا لم تكن مجرد ثنائية بسيطة بين الأكاذيب الرسمية والحقائق المستقلة

تتقاسم منظومة الإعلام المعارضة المنطق الأساسي ذاته الذي تتقاسمه مع المنظومة الرسمية التي تواجهها فكلتاهما لا تهدف إلى تقديم حقيقة معقدة بل إلى تقزيم الخصم وتعبئة صفوفها حين تصبح الدعاية المضادة دعاية أيضاً لكنها سرعان ما انحازت كل منها إلى جهة وتحولت إلى أبواق لقوى سياسية مختلفة و اتهم وزير الإعلام السوري بعض الوسائل بأن أخبارها كلها افتراء وتحريض على الكراهية بينما رأى منتقدو إعلام المعارضة أن هذه الوسائل تختزل الوضع السوري المعقد في ثنائية الشرير (الحكومة) في مواجهة الخيّر (المعارضة) وتشكّل الروايتان مرآة لإحداهما الأخرى وتشكّلان معاً ساحة دعائية هائلة يكون فيها الغائب الوحيد هو الواقع نفسه

تكمن إحدى الرؤى الجوهرية في الجمهور المروَّض واختفاء المجال العام

أن التكرار لا يهدف إلى جعل الناس يصدّقون الأكاذيب بل إلى جعلهم يفقدون الرغبة في التمييز بين الصدق والكذب فحين يعلم الجميع أن الرواية الرسمية غير جديرة بالثقة ومع ذلك يضطرون إلى ترتيب أقوالهم وأفعالهم وفقاً لها تكون الدعاية قد حققت هدفها بالفعل فهي لا تنتج الإيمان بل تنتج القبول

ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي انكسر نظام الصمت هذا لكن ما حلّ محلّه لم يكن نقاشاً عاماً حراً بل شكل آخر من الإكراه فـصحفيون مواطنون من فصائل مختلفة ينتجون حقائق متناقضة بحيث يصبح أي جهد لفهم الصورة الكاملة عبثاً وينتهي الأمر إلى مزيد من السخرية واللامبالاة

أن سوريا خسرت خسارة فادحة في حرب المعلومات وجوهر هذه الخسارة الفادحة ليس فقدان السلطة الرسمية قدرتها على صناعة الإيمان بل فقدانها احتكار قنوات الطاعة

غير أن السيطرة على الشاشات لا تعني السيطرة الكاملة على الحقيقة فالمجتمعات تقارن بين ما تشاهده وما تعيشه وتبحث عن مصادر أخرى وتطوّر وسائلها الخاصة لتبادل المعلومات وقد تنجح الدعاية في فرض الصمت أو إنتاج الحذر لكنها لا تستطيع أن تجعل التجربة اليومية تختفي كما أن تكرار الرواية لا يحوّلها بمفرده إلى حقيقة

أن الإطاحة بهذا الإعلام الرسمي يوقعنا في فخ الإيحاء بأن الإطاحة كافية لأن تظهر الحقيقة تلقائياً لكن ما شهدته سوريا على مدى أكثر من عقد يثبت العكس فعندما ينهار نظام التأديب غالباً ما يملأ الفراغ ليس الحرية بل شكل آخر من التأديب

والسؤال الجدير بالطرح حقاً لماذا يصعب كسر حلقة التأديب إلى هذا الحد فرغم أن منظومة الإعلام تقوم على الطاعة فإن الإعلام المستقل الذي واجهها سرعان ما تحوّل تحت تأثير التمويل والأيديولوجيا والجغرافيا السياسية إلى منظومة طاعة أخرى في الصراعات المتطرفة قد يصبح الإعلام نفسه تابعاً للسلطة أياً كان الثوب الذي تلبسه هذه السلطة

إن معيار الإعلام الحر ليس مدى انسجامه مع رواية الحكومة بل قدرته على اختبارها وحين يصبح السؤال أخطر من الجواب والصمت أكثر أمانًا من الخبر لا يعود الإعلام مرآةً للمجتمع بل يصبح جزءًا من منظومة تطلب من الناس أن يطيعوا حتى إن لم يصدّقوا المراجع

See less

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *