من يريد للكيانات العربية مدنية راقية تقدمية علمانية , عليه تحجيم المد والقوى الأصولية بطرق فعالة قانونية وديموقراطية ,لا نقصد هنا اطلاقا استخدام العنف أو الأساليب الديكتاتورية أو الاستبداد أو قمع أي جهة ,ان كانت أصولية أو غير أصولية, انما تحجيم عن طريق تقديم بديل مقنع لدى معظم أفراد هذه الشعوب , التي لم تكن أصلا قبل ١٤٤٠ سنة طائفية, ولم تكن أصولية بالشكل الحالي والذي أصبحت عليه في القرون الأربع عشر الأخيرة , ففي تلك القرون لم تتمرن الشعوب على ممارسة التداول السياسي السلمي الحضاري في ظل احتكار العنف الأصولي القريشي والعثماني لكل الممارسات السلطوية , التي اقتصرت بداية على عنف السيف ولاحقا على عنف المدفع والبندقية , بالنتيجة اعتاد الشعب على أنين الجرحى وصراخ الأطفال قبل ذبحهم من الوريد الى الوريد , ثم على الخطف والقتل والسحل والتدمير والقنص والتشبيح والتذبيح والسجن والتعذيب والقهر والفقر الخ , ازمان تلك الممارسات قادت الى تجذرها في الوجدان والكيان النفسي للانسان .
اختفى صوت الشعب ولم قادرا على تحريك لسانه ونطق الكلمة , لم يعد يفكر ويسأل ويجيب ويبدع ويذهب الى المسارح الرومانية الضخمة ويزرع الأرض , تحول الى عبدا بعد ان كان قيصرا وقانونيا وفيلسوفا , تحول الشعب الى رعية لدى رعاة البعير من بدو الجزيرة , طوال ١٤٤٠ سنة لم يعرف تاريخ المنطقة فردا واحدا كزينون الرواقي أو بانيبال الحقوقي ولا شخصا كجوليا دومنا او زنوبيا أو عشتار او سمير أميس او غيرهم , استفاد الغزاة في البداية من خبرات بعض السريان في الترجمة كاسحق ابن حنين وحنين ابن اسحق , ثم في الادارة مباشرة بعد الفتوحات , ولكن بعد التعريب انتهى أمرهم وانتهى دورهم حتى وجودهم على يد العهدة العمرية المفترسة المتوحشة .
تجذر العنف في الوجدان والكيان النفسي للانسان , مكن الأصولية الفصائلية من اغتيال ثورة ٢٠١١ أي الربيع العربي , كما اغتالت السلطات الحاكمة الأصولية ارادة شعوب المنطقة واستعبدتها , ليس من الغريب أن تجد الأصولية الدينية مرتعا جيدا لنموها في ظل سلطة لاتقل عنها عنفا واجراما وفسادا وأصولية!, يتوضع فساد السلطات بشكل رئيسي في السرقات والاستغلال وممارسة الفردية والاستئثار بمقومات المجتمع المادية والمعنوية,في حين يتوضع فساد الاصولية الدينية بالدرجة الأولى بالخلفية الفكرية من عنصرية ورجعية ثم عنف وقمعية دموية وديكتاتورية وفساد أما قيل جعل رزقي في ظل رمحي!! , ثم عدم تمكن الأصولية مهما كان شكلها من مواكبة التطورات الحضارية ,لذلك كانت افرازاتها كارثية ,لاتختلف افرازات الأصوليات الدينية عن افرازات السلطات الأصولية مدعية المدنية من حيث الكارثية , لابل تبين أن افرازات الأصولية الدينية كانت اسوء من أصولية السلطات مدعية المدنية بدرجات .
هناك تناسب طردي بين نمو النظم الأصولية السلطوية مدعية المدنية بكامل علاتها وأمراضها , وبين نمو الأصولية الدينية , ففشل نظام سلطوي مدعي المدنية أرغمه الى التحول الى أصولية دينية او التشارك مع الأصولية الدينية في اقتسام الهيمنة والمصالح, أي أصبح هناك اصوليتين احداهما سلطوي والآخرى دينية طائفية.
ازمان الشراكة بين الأصوليات قاد الى تحولات في بنية المجتمع من بنية سياسية الى بنية طائفية , وفي صراع الأصوليات سواء كانت اصولية الأكثرية او اصولية الاقلية , تمكنت كل اصولية من احتلال مكانا لها على المسرح السياسي اي عمليا محاصصة , كل أصولية حمت نفسها بالسلاح الغير مفكر او مدبر , من جهة كانت كتائب السلطة مدعية المدنية ,ومن جهة أخرى فيالق المجاهدين المكبرين , كلهم كانو محاربون عنفيون بدون عقل , وماذا يمكننا أن ننتظر من فاقدي العقل الا العنف والحرب والخراب والتقتيل الخ , كلهم كانوا من رواد البربرية !.
مهمة الأنطمة الأصولية السلطوية كانت التفوق على الأصولية الدينية ببعض الممارسات المخاتلة , منها ممارسة التوثيق الشرعي المزور لوجوده كحصوله على ٩٩,٩٩٪ من اصوات الناخبين في استفتاء سموه “عرس ” الديموقراطية , ومنها أيضا مقدرة الأصولية السلطوية على الاتفاق مع الأصولية الدينية على تقاسم الغنائم ,هكذا تمكن ازلام الأصوليتين من الاثراء بواسطة المحاصصة في الفساد ,عمليا فشلت الأصوليات سواء كانت دينية أو سلطوية على يد الفساد ثم على يد الجهل السياسي والضعف الفكري ,مما افسح المجال امام السلاح والحروب , التي قادت الى هزيمتهم بالسلاح الذي اعتمدوا عليه وحاربوا به.
كلهم مارسوا التقتيل والتخريب ,ومن لم يقتل من افراد الشعب برصاص الصراعات الحربية مات تحت الأنقاض ,لم يتوقف تخريبهم عند الحدود العمرانية لابل تجاوزها الى الخراب السياسي ومن الخراب السياسي على سبيل المثال تخريب حزب البعث ثم تخريب الأحزاب الشيوعية ومحاولة تخريب الحزب السوري القومي الاجتماعي وغيرهم , لقد كان لتلك الأحزاب أن تلعب دورا رائدا في المجتمع وفي اقامة دولة يجب ان تكون مدنية علمانية لتنجح في مشروع الترقي والتقدم .
الغت الاصوليات السلطوية والدينية الفكر والحوار , والتبرير كان تارة حماية النظام السلطوي المتحول الى أصولي , وتارة اخرى حماية النظام الالهي الديني ,تحول النظام السلطوي الأصولي الى منظومة عائلية طوبت البلاد على اسمها , مما قاد الى تعويم الأصولية الدينية نسبيا , ليس لأن الأصولية الدينية ناضجة فكريا , وليس لأنها تقدمية وليس لانها ديموقراطية , لقد كانت هزيلة وضعيفة في كافة المجالات , الا أنها في البدء كانت أقوى من الأصولية السلطوية وفي النصف الثاني من حرب العقد ونصف تقريبا انعكس الأمر , ثم انعكس بدعم من الخارج مرة أخرى قبل سنتين تقريبا لتتمكن الأصولية الدينية من السيطرة على الحكم في سوريا وفي العراق , ففي سوريا كانت الأصولية الدينية سنية وفي العراق كانت شيعية , هل يعرف القارئ ايهما افضل ؟