مروان صباح:
في سوريا ما بعد الأسد ، لم يعد السؤال من يحكم؟ بل من يجرؤ على النقد بعد أن سقط من كان يُخشى؟ ومن يبني الوقائع على الأرض بينما تكتفي السياسة بالبيانات؟ ومن يدفع فاتورة الجغرافيا : السوري ، أم النظام الجديد ، أم تركيا ، أم الأمم المتحدة؟، وفي السياسة ، كما في المسرح ، لا يُصفَّق للصادق بقدر ما يُصفَّق للبارع في التمثيل ، والسخرية السوداء ليست عيبًا ، بل لغة بروتوكولية عليا يتبادلها الخصوم كما تتبادل الدول أوراق الاحتجاج ، لكن أن تتحول السخرية إلى تجريح ، والتجريح إلى قلة أدب ، فهذا ليس سياسة ، بل انحطاط لغوي وانتحار أخلاقي ، وهنا يحضر وئام وهاب كنموذج طريف : رجل أمضى عمره في مداراة الأسد ، حتى إذا سقط النظام اكتشف فجأة فضيلة «الانتقاد» ، لو أنه تجرأ على عائلة الأسد بكلمة واحدة في زمنها ، لكان اسمه في قائمة من قُطعت ألسنتهم وباتوا في خبر كان ، أما اليوم ، فالنظام الجديد في سوريا يتسامح مع الانتقادات السياسية حتى لو حملت قلة أدب وتقصدت تضليل الرأي العام ، أليس هذا منتهى الكرم السياسي؟بادئ ذي بدء ، في السياسة يحق للجميع الانتقاد كما يشاء ، حتى إن السخرية السوداء حق آخر في تناول الخصوم السياسيين بعضهم بعضًا ، لكن التجريح أو استخدام مصطلحات هابطة أمر معيب ، لا يليق بأي سياسي ، وئام وهاب ، على سبيل المثال ، كان الأسد الابن قد نفر منه في فترة من الفترات وأقصاه مدة طويلة ، فظل وئام صامتًا ، لا يفكر حتى في الانتقاد أو مجرد الهمس بذلك ، والفارق اليوم أن النظام الجديد في سوريا يعتمد التسامح مع الانتقادات السياسية ، حتى لو كانت تحمل نهجاً تشويهاً وتتقصد تضليل الرأي العام ، وهكذا يتحول النقد من مسؤولية إلى ترف ، ومن خوف إلى استعراض ، وينطبق هذا التناقض على ما يجري في الجولان وجنوب سوريا على خلفية التوغل الإسرائيلي ، فالجولان احتُلّ في عهد عائلة الأسد مدة 5 عقود ، كما احتُلّ لبنان بعد دخول قوات جيش الأسد إليه ، بعد أن شحن الطوائف ضد بعضها بعضًا ، حتى يتسنى له الدخول إلى حكم لبنان بالحديد والنار ، ومن غير المنصف أن تُحمّل أي جهة مسؤولة ما يجري في جنوب سوريا للنظام الجديد ، وسوريا من أولها إلى آخرها مدمَّرة كليًا ، بل من هو الساذج الذي يستطيع ، في ظل الظروف الراهنة التىّ تمر بها سوريا ، أو حتى مع ما جرى من اشتباكات بين إسرائيل وإيران أو حزب الله ، أن يواجه الإسرائيليين وحال سوريا هذا الحال؟ لكن في المقابل ، تقع المسؤولية أيضًا على تركيا بوصفها دولة يُفترض أنها حليفة لنظام دمشق منذ الثورة ، ثم سلطة إدلب ، واليوم في دمشق .
بالطبع ، عندما تعلن إسرائيل سيادتها المزعومة وحقها في الجولان ، فإن ذلك يعني أن الأمر يتطلب إما حربًا شاملة ، أو أن ترفع الولايات المتحدة الغطاء عنها ، تمامًا كما رفعت الغطاء عن سيناء بعد حرب أكتوبر عام 1973 م ، ومن الناحية العملية ، يشير الواقع إلى أن الإسرائيليين أقاموا في جنوب سوريا خطًا يُطلق عليه «سوفا 53» ، تماماً كما فعلوا ذلك في سيناء بخطّ بارليف بعد ما وصولوا إلى حدود قناة السويس ، وحسب اعتقادهم العسكري يعتبر كأقوى خط دفاعي في التاريخ ، وهو مخطط هندسي يبدأ من شمال القنيطرة إلى جنوبها بمجاورة هضبة الجولان التى احتُلّ معظمها في حرب يونيو 1967 م ، وكل من يدقق في هذا الخط سيكتشف أنه يتعلق بمخطط عسكري يقيم على الأرض جدارًا من التحصينات الإسمنتية ، والسواتر الترابية ، والخنادق ، ومواقع الجنود ، ونقاط المراقبة ، وهو طريق يشقّ منطقة فض الاشتباك التىّ كان يستخدمها الطرفان السوري والإسرائيلي ، وإذا راجع المرء كلمة «سوفا» بالعبرية ، سيدرك أنها تعني «العاصفة»، أي أن إسرائيل تدرك أن المواجهة قادمة لا محالة ، بل من المهم للمراقب أن يسجّل للتاريخ متى بدأ جيش الاحتلال هذا المشروع العسكري ؛ وقد بدأه فعلًا قبل سقوط نظام الأسد ، وتحديدًا عام 2022 ، لكن ، وللحقيقة ، فإن الإسرائيليين وسّعوا مساحة من الجانب الواقع في منطقة جبل الشيخ ، وهو ما يرجّح أن طول المشروع ربما بلغ 70 كيلومترًا ، وفق ما يتداوله سكان المنطقة .
ويبقى أن حال سوريا كان مختلفًا عن حال مصر ، ففي مصر ، وفي عهد الرئيس السادات ، تحقق انتصار عسكري في العبور ودبلوماسي أدى إلى استعادة سيناء ، أما سوريا ، فطيلة العقود السابقة تراجعت إلى مستوى لم تعد تقوى فيه على حماية نظامها من السقوط ، لولا التدخل الروسي ؛ ولو أن النظام سقط مبكرًا ، لكان ذلك قد وفّر على سوريا كل هذا الدمار ، بل إن الجهة التىّ تتحمل المسؤولية كاملة هي الأمم المتحدة ، لأنها كانت طوال السنوات موجودة بين الطرفين في منطقة تُسمى «أندوف» ، وهي منطقة تخضع عسكريًا لها ، فالأمم المتحدة لم تحمِها في عهد الأسد ولا أثناء سقوطه ، وأتاحت لإسرائيل الوصول إلى خط برافو السوري ، وبالطبع ، لم يعد العرب اليوم يتحدثون عن طريق عسكري يقطع ما بين شمال القنيطرة وجنوبها ، بل إن الواقع هو احتلال الجنوب حتى حدود نهر الليطاني في لبنان ، والتوغل في غزة ، ووصول الموساد والضباط العسكريين إلى أرض الصومال ، فانتهاك السيادة لا يقتصر على جنوب سوريا ؛ لكن إسرائيل ، في نهاية الأمر ، تقدمت في كل هذه الأراضي حتى باتت تفاوض على الضفة والقدس ، وهنا مربط الفرس ، كما يقال .
لأن تل أبيب تدرك ، ببساطة ، أن دمشق في طريقها إلى تكريس الاندماج مع تركيا ، فمساحة الأراضي التىّ سيتمتع بها السوري في المستقبل أكبر من سوريا التاريخية ، إذ سيكون بمقدوره التنقل أينما يشاء بعد تحقيق الأمن والبدء عجلة التنمية الاقتصادية الشاملة ، وهذا ، بالطبع ، سينعكس على مستوى الأمن القومي التركي الذي يعتبر اليوم شمال سوريا جزءًا من أمنه ، لكن الأمن قابل للتوسع طالما أن السوريين ومصالحهم الخاصة والاقتصادية والسياسية والعسكرية مرتبطة بتركيا .
خاتمة : من يدفع الفاتورة؟
إن ما يجري في سوريا ليس مجرد صراع على نفوذ أو حدود ، بل إعادة تشكيل لإقليم كامل على أنقاض دولة مدمَّرة ، وبين «سوفا 53» التذي يُبنى على الأرض ، و«أندوف» التي تقف عاجزة ، وتسامح النظام الجديد الذي يبدو أحيانًا وكأنه ترف سياسي ، يبقى السؤال : من يدفع الفاتورة؟ الجواب ، كما في كل مرة ، ليس الساسة ولا الدول الكبرى ، بل السوري الذي يبحث عن وطن وسط خرائط تُرسم فوق رأسه … والسلام ![]()
![]()
See less
