من ينزع سلاح حزب الله؟

جمال حمور

11 سبتمبر 2026

كاريكاتير: سلاح حزب الله | كاريكاتير | الجزيرة نت      يبدو أنّ لبنان دخل مرحلة لم يعد فيها السؤال عن ضرورة حصرية السلاح بيد الدولة موضع نقاش، بقدر ما أصبح السؤال عن الجهة القادرة على تحويل هذا المبدأ إلى واقع. فالحكومة اللبنانية أعلنت موقفها بوضوح، والجيش هو المؤسسة التي يفترض أن تستعيد احتكار الدولة للقوة، والضغوط الإقليمية والدولية باتت تدفع في الاتجاه نفسه، لكن كل ذلك لا يعني أن “حزب الله” سيسلم سلاحه طوعاً.

فالسلاح بالنسبة إلى الحزب ليس مجرد قوة عسكرية يمكن التخلي عنها بقرار سياسي؛ إنه مصدر نفوذ وحماية، وجزء من منظومة سياسية وأمنية واجتماعية تراكمت طوال عقود. ولذلك من الصعب تصور أن يتخلى عنه الحزب لمجرد أن الدولة طلبت منه ذلك، أو أن ينتظر اللبنانيون اقتناعاً ذاتياً من قيادته بأن زمن السلاح خارج الدولة قد انتهى.

لكن هذا لا يعني أن نزع السلاح مستحيل، ولا أن الطريق إليه يمرّ بالضرورة عبر مواجهة عسكرية أو صفقة إقليمية، هناك قوة أخرى ربما لم تأخذ مكانها الحقيقي في هذا النقاش: الشعب اللبناني نفسه.

حين يتحول المطلب الوطني إلى إرادة شعبية واسعة ومستمرة في الشارع اللبناني، يصبح تجاهله أكثر كلفة من الاستجابة له، وتتحول حصرية السلاح حينها إلى واقع لا يمكن الالتفاف عليه

أنا أعتقد أن اللبنانيين يستطيعون أن يجعلوا حصرية السلاح إرادة شعبية واسعة لا يمكن الالتفاف عليها، من خلال انتفاضة وطنية سلمية تطالب بنزع سلاح “حزب الله” وحصر السلاح بيد الدولة.

عندها تتحول القضية من ملف تتفاوض عليه القوى السياسية إلى قضية رأي عام وطني، ويصبح الحراك الشعبي قوة ضغط على الدولة كي تنفذ قرارها، وقوة ضغط في الوقت نفسه على “حزب الله” كي يدرك أن بقاء سلاحه خارج الدولة لم يعد مجرد خيار سياسي يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية.

ومع مشاركة القوى السياسية والنقابات والمجتمع المدني وسائر الفاعلين اللبنانيين، يمكن أن تتشكل حالة وطنية واسعة حول مطلب واضح: دولة واحدة، وسلاح واحد، وقرار واحد للحرب والسلم.

وليس هذا تصوراً غريباً على لبنان؛ ففي عام 2005 استطاع الحشد الشعبي الواسع حول قضية الاستقلال أن يغيّر معادلة سياسية وإقليمية كبرى، وفي عام 2019 كشف الحراك اللبناني العابر للطوائف قدرة الشارع على هزّ منظومة سياسية كاملة. صحيح أن الظروف مختلفة، لكن الدرس واحد: حين يتحول مطلب وطني إلى إرادة شعبية واسعة ومستمرة، يصبح تجاهله أكثر كلفة من الاستجابة له.

واليوم تبدو الظروف مختلفة أيضاً؛ فالدولة اللبنانية نفسها أعلنت بوضوح حصرية السلاح، والجيش هو المؤسسة التي يفترض أن تتولى هذه المهمة، فيما تغيرت البيئة الإقليمية التي كانت تمنح “حزب الله” مساحة واسعة للمناورة. وفي المقابل، يدفع لبنان ثمناً باهظاً لاستمرار معادلة السلاح خارج الدولة.

لذلك؛ قد لا يكون الطريق إلى نزع سلاح “حزب الله” قراراً يصدر في غرفة مغلقة، ولا صفقة تعقد بين عواصم، ولا اقتناعاً مفاجئاً لدى قيادة الحزب؛ قد يبدأ من مكان آخر: من شارع لبناني واسع ومستمر يقول للدولة: نفّذي قرارك، ويقول لـ “حزب الله”: انتهى زمن القرار المزدوج.

عندها تتحول عملية نزع السلاح من أمنية سياسية إلى استحقاق وطني.

فمن ينزع سلاح “حزب الله”؟ الشعب اللبناني، عندما تتحول حصرية السلاح بيد الدولة من قرار حكومي إلى إرادة شعبية لا يستطيع أحد الالتفاف عليها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *