ليس من الصعب اكتشاف أهمية ووحدانية الحل السياسي للأزمةالسورية الحالية ,ولا شك بأن النظام بحاجة الى تفكيك , ثم لاشك بأن التفكيك الجزئي ممكن ,أما التفكيك الكلي بمعنى اسقاط النظام فهو صعب الى حد الاستحالة ثم انه اضافة الى ذلك ضار , فالنظام يمتلك مقدرات عديدة منها ولاء الجيش …الخ , الا أن معظم مقدرات النظام سلبية , وتتعلق بالنواقص التي تكتنف التيار الديني , الذي يريد أن يكون بديلا للنظام , وهذا ليس بالغريب , فمعظم سياسات العالم تستفيد من سلبيات خصومها أكثر من ايجابياتها الذاتية , وسلبيات فئة هي في الكثير من الحالات الضمان الوحيد لبقاء فئة أخرى على قيد الوجود ,بكلمة أخرى النظام يستفيد جدا من وجود العرعور والرحال على رأس حركة معارضة , أكرهت الكثير من البشر حتى من كلمة ” معارضة “.
لايمكن انتظار سقوط مدوي للنظام , دون مقاومة مدوية , ولايمكن التفرج على فريق على وشك تسلم السلطة , ويحمل شعارا يقول ..ليس بالمشكلة التضحية بثلث الشعب السوري (الشيخ العرعور) كما فعل بول بوط في كامبوديا , دون المجازفة بما هو أقل قيمة , وحدة الوطن أقل قيمة من افناء ثلث مواطنيه , ولا قيمة هنا لأي تنظير أو تفكير مغاير أو معاكس لقناعة المواطن , التي كونها بفعل عوامل عدة …منها الدعايات والتصريحات والتجارب السابقة وحال الجيران في العراق …الخ …هناك قناعة عند البعض , وهذه القناعة تتمثل بتصور مجازر ضد بعض الأقليات في حال تسلم العرعور والرحال السلطة , العرعور والرحال وقناة صفاء والوصال وغيرهم ساهموا الى حد بعيد في خلق هذا التصور الكارثي .
التفكيك الكامل لنظام اخطأ كثيرا , ليس دائما أفضل من التفكيك الجزئي لهذا النظام , خاصة وان البدائل في حال التفكيك الكامل وسقوط النظام فجأة ليست بتلك البياض , والنظام مقارنة ليس بذاك السواد , ولو تمت المقارنة بين ماهو موجود الآن وبين مايمكن للعرعور والرحال تقديمه نقطة… نقطة ,لاكتسح النظام الساحة ..اذ لايوجد أسوء من النظام القائم ,الا النظام الذي يمكن أن يقوم ,وليس للتيار الثالث المدني الواعي العلماني أي حظ في النجاح ضد سلاح العنف الذي تمارسه السلطة بتناغم كامل مع العرعور والرحال وأتباعهم ,المعارضة المدنية المجردة من عنف البندقية , لا تقوى على منازلة من يعمل بالبندقية , هذه المعارضة تقوى على الشرح والتوضيح والتفاعل الحضاري العقلي العلماني الواعي , أين نحن من ذلك الملعب السياسي , الذي يستطيع لاعبيه ممارسة هذه المسلكيات في الظرف الحاضر ؟؟
نحن بعيدين جدا عن تصور سورية تحت قيادة التيار الديني , وبعيدين جدا للأسف عن تصور سورية تحت قيادة التيار المدني , الذي يناصبه التيار الديني أشد العداء , وعشرات السنين السابقة برهنت عن عداء السلطة الشديد لهذا التيار المدني ….كل ذلك يبرهن على وحدانية الحل السياسي , والسياسة الناجحة , هي سياسة الحصول على مايمكن الحصول عليه ..وبكافة الوسائل المشروعة , ومن الوسائل المشروعة , وسيلة الامتصاص أو الاقتناص ..أي دراسة امكانيات النظام بدقة ثم محاولة اقتناص أو امتصاص ما يمكن من فوائد ومكتسبات يستطيع الوطن أن ينعم بها .
النظام مقتدر الآن نفسيا على الاقرار بفضاء أكبر من الحريات ..لذا علينا اقتناص وامتصاص هذه الحريات ,والعمل على اقتناص المزيد منها , النظام مقتدر الآن على تحقيق التعددية الحزبية ..فليكن ذلك , ولربما يصل الأمر الى اقتناص الموافقة على الغاء المادة الثامنة , فليكن ذلك , وليكن أكثر من ذلك , الا أنه يجب تحاشي تضخيم كاتالوج الطلبات , لأن النظام يصاب عندئذ بصعوبة في البلع …لالزوم للتحدث عن أمور ستتحقق تلقائيا بعد تحقيق بنود أخرى …لا لزوم للتحدث عن مكافحة الفساد , لأن هذا الحديث يهيج بعض أطياف النظام الضليعة بالفساد , ويجبر هذه الأطياف على ممارسة معارضة قوية لهذه المطالب …المطلب يجب أن يكون قضاء مستقل وعادل وملتزم بالقانون , سلطة تنفيذية تقوم بعملها التنفيذي للدساتير التي تأتي من السلطة التشريعية , وسلطة رابعة تسهر على عمل السلطات الثلاثة الأخرى …اذا امكن تحقيق ذلك فسيكون عمر الفساد قصير جدا , وهكذا يمكن السير بالوطن في طريق آمن يؤمن للوطن أقل قدر من التخريب والتدمير, ويوحد الأطياف الجيدة من السلطة مع التيار المدني ومع الأطياف الجيدة من التيار الديني …لربما يمثل هذا الطرح طريقا جيدا لتجاوز الأزمة الحالية وأزمات المستقبل أيضا ….
