أكثر من مائة يوم مرت على الثورة السورية. وشهدت مئات القتلى، وآلاف الاعتقالات، وعشرات الآلاف من اللاجئين، في داخل البلاد وخارجها. ومع ذلك، بذل النظام السوري قصارى جهده حتى يوقف الاحتجاجات. بل وقد حاول أيضاً، في البداية على وجه الخصوص، أن يحذو حذو النظام الجزائري بالبحث عن توازن بين الوعود بالإصلاح، واللجوء إلى العنف القسري. لكن رد الفعل الأمني المفرط ضد المدنيين ما لبث أن دفع جزءاً كبيراً من البلاد إلى صفوف المحتجين الذين لا أمل للنظام في تراجعهم عن الاحتجاج. وقد عاد النظام بقوة إلى ممارساته القديمة السارية منذ أربعين عاماً.
وبالنظر إلى هذه الوضعية، فإن هناك سيناريوهات عديدة مطروحة. وفي فرضية أولى، وهي فرضية تجاوزها الزمن، كان النظام السوري يعتقد بإمكانية التوصل إلى احتواء المتظاهرين وقمعهم، على نحو ما حدث في إيران في أعقاب انتخابات العام 2009. لكن العلاج الأمني لم يؤت ثماره وأدى في النهاية إلى نتائج عكسية وخيمة. والسيناريو الثاني، الذي طفا على السطح، لكنه لم يفرض نفسه في الميدان، هو شروع بشار الأسد في إجراء إصلاحات تتعلق بحرية الصحافة والحقوق المدنية، والتعددية السياسية، وبتنظيم انتخابات حرة، ومكافحة الفساد.
أما السيناريو الثالث، الذي ما فتئ النظام يبتعد عنه، فهو أن يحدث انقسام في داخل النظام، على غرار ما حدث في مصر وفي تونس، عندما بادر الجيش بعزل العناصر الأكثر فساداً عن الطبقة السياسية.
والحل المثالي، في رأي بعض الدبلوماسيين، هو -السيناريو الرابع: أن يتوصل جزء من العلويين والسنيين إلى تحقيق وفاق يؤدي إلى إقصاء عائلة الأسد عن السلطة، وهو الوفاق الذي يؤدي في النهاية إلى اقتسام أكثر مساواة للحكم بين الطوائف. أما السيناريو الخامس، الجاري الآن، وهو أكثر السيناريوهات خطورة ومجازفة، فيتمثل في تكثيف وتوسيع دائرة الاحتجاج/ القمع. وهو السيناريو الذي سوف يؤدي إلى استقطاب عرقي وديني في المجتمع، والذي يفتح الباب أمام حرب أهلية، وسقوط النظام. لكن هذا السيناريو لا يشكل فرضية مقبولة بأي حال، خصوصا بعد حالتي لبنان والعراق.
لا شك أن الشرق الأوسط يتعرض اليوم لهزات قوية بسبب الأزمة السورية، ابتداء بلبنان، حيث فرضت على البلاد حكومة يدعمها حزب الله ليلة صدور قرار بموجب تحقيق قضائي دولي، يتهم العديد من قادته بالتورط في مقتل رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري. وفضلاً عن ذلك، تدهورت العلاقات بين سورية وتركيا.
فبعد أن استعملت سورية بوابة رئيسية لوصولها إلى العالم العربي، بدأت أنقرة اليوم بالابتعاد عن دمشق، مطالبة إياها بإجراء إصلاحات حقيقية، ومنها فك بعض الأجهزة الأمنية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإنهاء نظام الحزب الواحد. وفي المقابل، تتهم سورية جارتها الكبرى في الشمال، بـ”العثمانية الجديدة”، وبالغرور والعجرفة، وبسعيها لبناء جسور إقليمية للإخوان المسلمين، تمتد من مصر إلى سورية، مروراً بحماس الفلسطينية.
أما بلدان الخليج العربي التي كانت دوما تخشى سورية وتحالفها مع إيران، فهي تعتبر أن سورية تشكل قلعة ضد انتشار الثورات العربية نحو المشرق. والتحدي بالنسبة لبلدان الخليج، هو كالتالي: هل بالإمكان أن تتوقف الثورات العربية، وأبعادها السياسية والأخلاقية عند أبواب الخليج، حيث مسائل المواطنة، والحريات السياسية، والمساواة بين الجنسين، وبين مختلف الطوائف الدينية، تظل عالقة ومطروحة بحدة؟ وقد شكل الصراع في البحرين، بخصوصيته المميزة، جزءا من العواصف التي تهز المنطقة. وقد سارعت الوضعية الاحتجاجية المتفجرة في سورية أيضاً من تفعيل السياسة في الأراضي الفلسطينية، فأدت إلى ظهور التقارب بين حماس وفتح من دون موافقة دمشق. وفوق كل ذلك، أن حماس قد اكشفت في مصر ما بعد مبارك، صداقة جديدة.
ومن النتائج المتوقعة للثورة السورية الجارية، أنها قد دفعت التردد الإسرائيلي والحرج الأميركي إلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه هذا التردد وهذا الإحراج. وتعرف تل أبيب حقا، أنه فيما وراء الخطاب السياسي البعثي، كان كل شيء هادئاً على جبهتها السورية الشمالية الشرقية. لكن الثورات العربية أخرجت إلى النور تناقضات إسرائيل أيضاً، إذ يبدو أن سقوط الأنظمة الاستبدادية العربية لن يساعد على استمرار هيمنتها على المنطقة.
أما فيما يخص العراق، فقد يبدو مفارقاً أن يشعر هذا الأخير بالقلق في حال أي سقوط محتمل للنظام السوري. فلم تكن بغداد ودمشق على وئام قط منذ ما يقرب من خمسين عاماً، سواء في عهد الإخوة الأعداء في البعث الذي كان على رأس الدولة في البلدين، أو في زمن وصول المعارضة العراقية القديمة إلى السلطة، وهي التي كانت من قبل لاجئة في سورية، بمن فيها نوري المالكي نفسه.
لكن، من أين تأتي هذه الخشية؟ هل يتقاسمها كل العراقيين؟ منذ أن عرف العراق حرباً أهلية بين العامين 2006 و2007، ظلت هجرة العراقيين متواصلة بكثافة نحو البلدان المجاورة، ولا سيما نحو سورية التي لجأ إليها أكثر من مليون شخص من الطوائف كافة. ولا شك أن تدهوراً في الأوضاع في سورية، على الطريقة الليبية، سوف يؤدي إلى طرد جزء كبير من هؤلاء اللاجئين وإعادتهم إلى بلدهم الأصلي، في الوقت الذي يشهد فيه هذا الأخير (أي العراق) تدهوراً خطيراً في أوضاعه الأمنية. وحتى وإن كان النظام السوري، الخاضع لهيمنة العلويين، قد ساند من قبل وما يزال يساند الثوار العرب السنيين والبعثيين القدماء في العراق، فإن الحكومة العراقية الحالية ذات الأغلبية الشيعية، تتوقع أن البديل القادم للسلطة في سورية لن يكون إلا أسوأ من السلطة الحالية، إذ ستكون السلطة البديلة نوعاً من الراديكالية السنية، تدعمها، حسب بغداد، العربية السعودية وبلدان الخليج، ضد شيعة المنطقة.
وعلى هذا النحو، فإن الشيعة العراقيين، رغم خلافاتهم مع إيران، لا يتمنون حلول هيمنة السنة على سورية ولبنان. وسوف يؤدي سقوط العلويين في سورية، بالنسبة لحكام بغداد، إلى ضعف حزب الله اللبناني القادم حتماً، ومن ثم، إلى تراجع الشيعة في المنطقة. ولا بد من التذكير في هذا الشأن بأن الشيعة العراقيين، في تنوعهم، يقيمون علاقات طيبة مع هذا البلد، والكثير منهم يستثمرون أموالهم فيه بصورة رسمية أو غير رسمية.
وتجدر الإشارة إلى أن حكومة نوري المالكي تسعى منذ العام 2009، إلى إنشاء علاقة هادئة تخدم المصالح الاقتصادية بين البلدين. وقد تم التخطيط لمشاريع عديدة، لا سيما في مجالات البترول والغاز. وقد يؤدي السقوط المحتمل لنظام بشار الأسد بسورية إلى حرب أهلية على الطريقة العراقية، حيث سيكون مصير العلويين مثل مصير السنة في العراق ما بعد العام 2003. وسوف يخلق مثل هذا الوضع، فوضى عارمة، ملائمة للجماعات الراديكالية التي قد تجد في هذه الأوضاع أرضية ملائمة لبناء جسور ومعابر سلفية، تمتد من طرابلس إلى بيروت، مروراً بسورية، وحتى إلى المثلث السني في العراق. وهذا السيناريو الافتراضي هو الذي بات يخيف الأميركيين، رغم أنهم لا يتعاطفون كثيراً مع بشار الأسد.
وماذا عن عامل إيران في هذه الوضعية؟ حتى وإن ظلت الشيعية العراقية مرتبطة ببلادها، فإن هذا لن يمنع بعضاً من طوائفها التأثر بالخطاب الإيراني الذي يمزج بين معاداة السنية ومعاداة القومية العربية، ومعاداة المَلكيات الخليجية، ومعاداة الغرب. وهكذا، ولأسباب تتعلق بالسوسيولوجيا السياسية العراقية، فإن أغلبية قوى البلاد تخشى سقوط النظام السوري، حيث سيفقد السنة والبعثيون حليفاً براغماتياً. أما الشيعة، فقد يواجهون في حال خضوع سورية لتحالف سني إقليمي، نظاماً سيظل يناصبهم العداء.
ربما يشعر أكراد العراق وحدهم، وعلى الخصوص حزب مسعود البرزاني، بالراحة عند رحيل نظام دمشق. ولا بد من التذكير هنا بأن نحو 1.5 إلى مليوني كردي يعيشون في سورية في أوضاع سياسية وإدارية غير مستقرة. وفي الفترة الأخيرة، منحت الدولة السورية تحت ضغط الشارع، الجنسية لحوالي 300.000 كردي لم يكونوا يملكون أي وثيقة تثبت هويتهم الرسمية.
وخلاصة القول، إنها ليست المرة الأولى في تاريخ المنطقة التي يضغط فيه شعب من الشعوب على حكومته للمطالبة بالمزيد من الانفتاح. فالإمكانية قائمة بالنسبة للسلطة السورية، مثلما هي قائمة بالنسبة لبلدان أخرى في العالم العربي للنزوع نحو المرونة، ونحو الانتقال التدريجي للسلطة. وقبل بضعة أشهر فقط، كان النظام السوري يزعم بأنه قلب الأمة العربية. واليوم يذكّر الشارع مرة أخرى بأن سورية تقع في قلب العالم العربي، ولكن مع مطالبته بمزيد من الديمقراطية، والحرية، والكرامة الإنسانية.
حسام داوود*
*أنثروبولوجي بالمعهد الوطني للبحث العلمي (باريس).*نشر هذا المقال تحت عنوان: , Quand le régime syrien tombera
في لوموند الفرنسية , ترجمة مدني نصري
Post Views: 456