بغداد 1941: حين توضأ الأبطال بدم الجيران.. وسرق «خير أمة» غسيل المشركين
دعونا نبتصق على مساحيق التجميل التي نطل بها على التاريخ، ولنقطع صياح “التعايش السلمي” والوعظ الخشبي المزيف. ما حدث في بغداد يومي 1 و2 حزيران
(يونيو) 1941 لم يكن “عث رة تنظيمية” ولا “فراغاً أمنياً” كما تردد مناهج التعليم الخائفة؛ بل كان مهرجاناً من الهمجية المطلقة، ولحظة الحقيقة التي كشفت ماذا يحدث عندما يُرفع الغطاء عن مجتمع غُذّي قروناً على عقائد الاستباحة والتكفير.
لم يكن الغوغاء بحاجة لهتلر ليتعلموا ذبح جيرانهم، كانت سكاكينهم مشحوذة مسبقاً بنصوص وتراث يرى العالم مجرد “غنائم” تنتظر صاحب العقيدة الصحيحة ليقبض ثمنها.
الهولوكوست البغدادي: حين أُبيحت الدماء بـ “سند شرعي”
عندما انهار القانون لبضع ساعات، لم يهرع الشارع لتأسيس نظام أو حماية الأعراض، بل ركض مباشرة ليمارس هوايته التراثية: الفرهود. نهب، اغتصاب، وسحل لمواطنين عُزل يرتدون ملابس العيد، فقط لأنهم ينتمون لـ “الملة الخاطئة”:
* من “أهل الذمة” إلى “مباحي الدم”:
سورة التوبة (الآية 29) لم تكن مجرد نص في كتاب، بل كانت التأصيل العقائدي للدونية:
> ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾
هذا “الصغار” الممنهج هو ما جعل المواطن اليهودي في نظر الغوغاء كائناً مجرداً من الكرامة. وعندما وُجهت لهم تهمة “موالاة الإنكليز”، سقط عقد الأمان الوهمي، وتحولت دماؤهم وأموالهم فوراً في الضمير الجمعي إلى “فيء ومباحات” لا حرج في أخذها.
* أهازيج الغزوات في شوارع العصر الحديث:
لم يصرخ المهاجمون بحريات السياسة، بل صرخوا بما حُفظوا إياه في الكتاتيب والمساجد: “خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد سوف يعود”. صرخة استدعاء صريحة لغزوات القرن السابع الميلادي، لتطبييقها على تجار وأطباء ومعلمي بغداد في القرن العشرين.
* الفرهود كـ “فريضة فقهية” لتوزيع الغنائم:
عندما اغتصبوا المنازل ونهبوا 911 بيتاً و586 محلاً تجارياً، لم يشعروا بلحظة إثم أخلاقي. كيف يشعر بالسارق من يتربى على نصوص تحلل أخذ أموال المخالف:
> ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾
تحول السلب والنهب إلى “حق شرعي” واستعادة لممتلكات الكفار، في أبشع صور الانحطاط الأخلاقي المبتسِر باسم الدين.
* أحاديث الإبادة الجماعية:
النصوص الملحمية التي تشرعن القتال الوجودي (مثل حديث “لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود…”) كانت الحاضن النفسي الذي جعل الشرطي والجار والطفل في كتائب “الفتوة” يمارسون القتل بضمير مرتاح وكأنهم يؤدون طاعة للرب.
شكر بأسلوب الشارع: سكاكين في ظهر صُناع الوطن
هكذا كافأ المجتمع العراقي قاماته الحقيقية:
* ساسون حسقيل: الرجل الذي أسس مالية العراق وحمى ثروته بإصراره على أخذ عوائد النفط بالذهب، ردت له الأمة الجميل بتخوين طائفته واستباحة منازلهم.
* صالح وداود الكويتي: اللذان صنعا روح الهوية الموسيقية البغدادية ولحنا أجمل ما غنى العراق، كوفئا بالتهديد بالقتل ثم المسح الكامل لأسسمائهما من الأرشيف الإذاعي وتنسيب ألحانهما لـ “التراث المجهول”!
179 قتيلاً وأكثر من 2000 جريح لم يكونوا ضحايا للسياسة، بل ضحايا لوهم الكبرياء العقائدي. هجرة 130 ألف يهودي بعد الفرهود لم تكن مجرد مغادرة طائفة، بل كانت “عملية خصاء فكري وثقافي واقتصادي” للعراق، فتحت الباب لعقود من الفوضى وحكم البنادق والتجريف الحضاري الذي تعيشه البلاد إلى اليوم.
المراجع الوثائقية لمن يحاول الترقيع:
* تقرير لجنة التحقيق الرسمية برئاسة القاضي محمد توفيق التميمي (بغداد 1941): التقرير الحكومي الذي أدان تواطؤ الشرطة وكتائب “الفتوة” وتأثير الشحن العقائدي والقومي في المذبحة.
* كتاب “يهود العراق: تاريخهم ومأساتهم” – د. نبات نسيم (Nissim Rejwan): تشريح لكيفية إسقاط الفقه الحربي وأحكام أهل الذمة على الأحداث.
* كتاب “الفرهود” – إدوين بليك (Edwin Black): التوثيق التاريخي للتحالف القومي-الإسلاموي وتجييش الشارع بنصوص الملاحم والتكفير.
* الأرشيف الوطني البريطاني (PRO – FO 371): تقارير الخارجية التي رصدت استخدام المساجد والأهازيج التراثية لتوجيه الدهماء نحو الأحياء اليهودية.
بلا مواربة وبلا تجميل: الاعتذار لضحايا الفرهود ليس قصيدة شعرية عن “زمن الخير الجميل”. الاعتذار الحقيقي هو بوضع هذه المنظومة الفقهية والنصوص الاستباحية تحت أقدام النقد والجراحة الراديكالية. طالما بقيت هذه النصوص مقدسة ومرفوعة عن التفكيك، فأنتم مجرد قتلة مع وقف التنفيذ، تنتظرون “فرهودكم” القادم ضد أي أضعف منكم.
Post Views: 5