سراديب التجهيل المقدس: كيف حَظر الفكرُ المتشدد العقلَ والفن طوال 1400 عام؟

أكرم محمد:
اغسل العقل ليسهل التحكم والتطويعلم يكن مشهد مهاجمة العقل، وحرق الكتب، وتحطيم الآلات الموسيقية مجرد لوحة كاريكاتورية عابرة، بل هو الاختزال البصري الأكثر صدقاً لحقيقة تاريخية واجتماعية تمتد لأكثر من ألف وأربعمائة عام. إنها قصة منظومة ثيوقراطية شمولية نجحت في البقاء والهيمنة ليس بفضل تقديمها لحلول علمية أو حضارية للبشرية، بل من خلال هندسة بالغة الإحكام للسيطرة النفسية والتشريعية، والاتجار بالمقدس لتأمين الطاعة المطلقة وإخضاع الشعوب قسراً لسراديب الماضي السحيق.
تبدأ هذه المنظومة في إحكام قبضتها عبر صياغة ترسانة نفسية مرعبة تُزرع في وجدان الإنسان منذ الطفولة، حيث يُحشى الدماغ بتفاصيل سادية لعذاب القبر وأهوال القيامة والنيران والغليان، مما يدخل العقل البشري في حالة شلل دفاعي دائم، ويتحول معها السؤال المعرفي أو الشك الفلسفي إلى وسواس وجودي مرعب يُثير الهلع. هذا التجهيل المقدس أثمر سيكولوجية مشوهة لدى المتدين التقليدي الذي ألغى حاسة النقد لديه وتبنى عقلية القطيع بشعار “أسلم تسلم”، معتبراً العلوم الحديثة ونظريات التطور والتحليل النفسي مؤامرات خفية على دينه، مستبدلاً إياها بالدجل والغيبيات لتفسير تخلفه وانحطاط مجتمعه. ويتحصن هذا الانغلاق المعرفي بجدار فاشي مستبد هو عقوبة قتل المرتد؛ وهي عقوبة تُمثل اعترافاً بنيوياً صارخاً بأن هذه المنظومة لا تملك قوة إقناع ذاتية تبقي الأفراد داخلها، فتحتاج إلى تهديد السيف كأداة قمعية تمنع انهيار البنية وتصادر أقدس حقوق الإنسان وهو حرية الضمير والاعتقاد.
ولم يكن لهذا السجن الفكري أن يستمر طوال هذه القرون لولا المقايضةُ التاريخيةُ والبراغماتيةُ والتحالفُ العضوي بين سيف المستبد ومصحف الفقيه؛ حيث صِيغ فقه الاستسلام الطبقي مثل طاعة ولي الأمر وإن جلد ظهرك وسرق مالك، ليتم ترويض ملايين المحرومين والجياع وإقناعهم بأن بؤسهم الأرضي هو ابتلاء إلهي مكتوب مسبقاً، وأن البديل ليس الثورة أو المطالبة بالعدالة والإنتاج بل الصبر للفوز بالقصور والحور العين في الآخرة، وهي مقايضة بارعة لشطب الحقوق الأرضية مقابل وعود غيبية حمت عروش الطغاة لقرون. ولمنع أي بارقة تنوير من إيقاظ الجماهير، مارست المؤسسة الدينية تصفية وإبادة معرفية شاملة لكل التيارات العقلانية؛ فأحرقت كتب ابن رشد، ونُفي المفكرون، وكُفّر كبار علماء الطبيعة والكيمياء والطب كابن سينا والرازي والفارابي واتهموا بالزندقة من قِبل فقهاء النصوص، ليتسيد النقل الحرفي المشهد كعلم وحيد ويُقمع العقل كبدعة وضلالة، بالتوازي مع تفتيت المجتمع وتغذية نرجسيته الدينية المرضية بوهم الفرقة الناجية التي تستعلي أخلاقياً ومعرفياً على بقية الإنسانية المتقدمة علمياً، في حين تعاني مجتمعات التدين الشكلي من أعلى معدلات الفساد والنفاق والتحرش والانفصام الأخلاقي.
وقد تجسّد هذا الانحراف الأيديولوجي في العصر الراهن بأبشع صوره الفاشية من خلال صعود الإسلاميين وحركات الإسلام السياسي الذين يمثلون الجينات الحتمية للفقه التقليدي عند تسييسه. هؤلاء الانتهازيون وتجار الوهم يقتاتون على دغدغة عواطف البسطاء بشعارات شعبوية فارغة مثل تطبيق الشريعة والإسلام هو الحل، دون امتلاك أي برامج اقتصادية أو صناعية أو علمية، معيدين توجيه غضب الجماهير من الفقر والبطالة نحو معارك الهوس بالجسد والنقاب وتدمير الفنون وتحريم الموسيقى. ويسعى فكرهم القائم على الجاهلية والحاكمية الإلهية إلى إقامة أنظمة ثيوقراطية تلغي الدولة الوطنية والمواطنة لتبني مسالخ للوعي، حيث يصبح العنف والاغتيال الفكري والجسدي كما حدث مع فرج فودة ومحاولة تصفية نجيب محفوظ نتيجة منطقية وحتمية لأدبيات التكفير المتجذرة في التراث، لتظل المنظومة في النهاية بثالوثها المدمر من نص جامد، ومتدين مغيب، وإسلامي انتهازي، عائقاً حقيقياً أمام التطور البشري وسجناً يمنع الشعوب من اللحاق بركب الحضارة الإنسانية الحديثة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *