حين يموت صاحب الفكرة: الأمة بين حاضر ناقص ومستقبل غائب…

مروان صباح:
العالم يسخر ويفكر.. «كاريكاتير» | المصري اليومكيف يمكن للنقص أن يكون كمالًا حقيقيًا؟ قد يبدو السؤال للوهلة الأولى مفارقًا للمنطق ؛ فالكمال ، في صورته المعتادة ، هو اكتمال الشيء واستغناؤه عما سواه ، لكن الإنسان ، منذ أن بدأ يفكر في وجوده، اكتشف أن ما ينقصه هو الذي يدفعه إلى البحث ، وأن ما لم يكتمل فيه هو الذي يمنحه سببًا للاستمرار ، ولعل الحياة نفسها لا تتحرك إلا من هذه المسافة بين ما نحن عليه وما نريد أن نكونه ، فالحاضر ، مهما بدا مكتملًا ، يظل ناقصًا إذا نظرنا إليه بعين المستقبل ، وهنا ربما تقع الحياة الحقيقية : ليست في اللحظة التىّ نعيشها فقط ، وإنما في قدرتنا على تجاوزها ، فالإنسان موجود في «الهنا»، لكنه مشدود دائمًا إلى «هناك»؛ إلى مكان لم يصل إليه بعد ، وإلى صورة لم تتحقق بعد ، وإلى معنى يعتقد أن اكتماله مؤجل في المستقبل ، ولهذا يميل الإنسان، بصورة تكاد تكون فطرية ، إلى المستقبل أكثر مما يميل إلى الحاضر ، فالمستقبل لا يزال مفتوحًا على الاحتمال ، بينما الحاضر شيء حدث وانتهى جزء منه بمجرد حدوثه ، وما إن نحصل على ما كنا نريده حتى يبدأ في فقدان شيء من سحره ؛ إذ تتحول الرغبة ، بعد تحققها ، إلى واقع ، ويتحول الواقع بعد اعتياده إلى أمر عادي ، وربما إلى مفهوم بارد ، وما أكثر الأشياء التىّ كانت ، في لحظة ما، شديدة الحرارة في وجداننا ، ثم أصبحت بعد سنوات مجرد أسماء ، لكن الأشياء لا تفقد معناها دائمًا لأنها فقدت قيمتها ؛ أحيانًا تفقده لأنها انفصلت عن المستقبل ، فالكلمة السياسية ، مثلًا ، قد تبقى سنوات طويلة تتردد في الخطب والكتب والبيانات ، حتى تفقد شيئًا من قدرتها على التأثير ، ثم تأتي لحظة تاريخية ، أو انتفاضة شعبية ، أو تحوّل اجتماعي كبير ، فتستعيد الكلمة حرارتها الأولى ، فجأة تصبح «الحرية» أكثر من كلمة ، ويصبح «العدل» أكثر من شعار ، وتخرج المفاهيم من برودة القاموس إلى سخونة الواقع ، وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا : أين تكمن حياة الفكرة؟ في الكلمات التىّ قيلت عنها ، أم في المستقبل الذي تعد به؟ ، ولعل الفن يقدم لنا استعارة قريبة من ذلك ، فإذا كان الشعر رسمًا ناطقًا ، فإن الرسم شعر صامت ؛ كلاهما يحاول أن يمنح اللحظة العابرة قدرة على تجاوز لحظتها ، القصيدة لا تعيش فقط لأنها مكتوبة ، واللوحة لا تعيش لأنها معلقة على جدار ؛ إنما تعيش بقدر ما تستطيع أن تجعل شيئًا من المستقبل حاضرًا فينا .
ومن هنا يمكن أن نفهم الأمة ، ففي معناها الأعمق ، ليست مجرد جماعة اكتملت صفاتها ، ولا مجرد ذاكرة مشتركة تستعيد نفسها كلما شعرت بالخوف من الحاضر ، الأمة فكرة تتجه إلى المستقبل ، إنها مشروع قبل أن تكون نتيجة ، ووعد قبل أن تكون واقعًا ، وحركة مستمرة من «ما نحن عليه» إلى «ما ينبغي أن نكونه» ، ولهذا فإن الأمة ، paradoxically، تحتاج إلى شيء من النقص كي تبقى حية ، فالأمة التىّ تعتقد أنها اكتملت لم تعد بحاجة إلى المستقبل ؛ وكل كيان لا يحتاج إلى المستقبل يبدأ ، بصورة أو بأخرى ، في التحول إلى ماضٍ ، ومن هنا تأتي أهمية صاحب الفكرة ، فليس بالضرورة ذلك الشخص الذي يخترع الكلمات ، وإنما هو الذي يستطيع أن يرى في الحاضر ما لا يراه الآخرون ، وأن يمنح النقص اتجاهًا ، وأن يحول الشعور بأن شيئًا ما مفقود إلى مشروع للمستقبل ، إنه لا يقول للناس فقط: «هذا ما نحن عليه»، وإنما يقول لهم: «هذا ما يمكن أن نصبح عليه» ، وهنا تبدأ الفكرة في تجاوز صاحبها ، فما دام الرجل يتحدث عن المستقبل ، فإن حضوره لا يعود شخصيًا تمامًا ؛ يصبح حاملًا لصورة أكبر منه ، وقد تتحول حياته ، بمرور الوقت ، إلى جزء من ذاكرة الجماعة ، وتصبح كلماته مرجعًا ، ومواقفه علامات على الطريق ، ويصبح هو نفسه جزءًا من الصورة التىّ تتخيل الأمة بها مستقبلها ، لكن ماذا يحدث عندما يموت؟ ، هنا تبدأ المأساة الحقيقية ، عندما يموت صاحب الفكرة ، لا يكون الذين خلفه أمام موت إنسان فقط ؛ إنهم يقفون ، من حيث لا يشعرون ، أمام سؤال المستقبل الذي كان ذلك الإنسان يجسده ، ولهذا قد يكون الحداد أكبر من الجثمان ، فهو يعلن موت الفرد ، لكن الصدمة التي تصيب الجماعة قد تعلن شيئًا آخر : أن الصورة التىّ كانت ترى بها المستقبل فقدت أحد أهم وجوهها ، في هذه اللحظة يبدأ أبناء الأمة في مواساة بعضهم بعضًا ، تُقال عبارات البقاء ، وتُستعاد السيرة ، وتُرفع الصور ، وتُقرأ الكلمات ، وتُقام الطقوس ، وكأن الجماعة تحاول أن تقنع نفسها بأن الذي مات هو شخص واحد ، لكن شيئًا آخر يكون قد حدث في الداخل ، إنها تشعر أن جزءًا من المستقبل قد مات ، وهنا يصبح العزاء مزدوجًا : عزاء في الإنسان ، وعزاء في الفكرة التىّ كان يمثلها ، وربما لهذا يبدو بعض موت المفكرين والقادة أكبر من موتهم الشخصي ؛ لأن الذين يودعونهم لا يودعون جسدًا فقط ، وإنما يودعون احتمالًا تاريخيًا كان مرتبطًا بحضورهم ، وهذا هو الموت الجماعي في معناه الرمزي ، ليس المقصود أن الأمة تموت حرفيًا بموت صاحب الفكرة ، وإنما أن الجماعة تدخل لحظة من الفراغ الوجودي ؛ إذ تجد نفسها أمام حاضر أصبح أكثر كثافة بآثار الراحل ، لكنه أقل قدرة على إنتاج المستقبل الذي كان يتحدث عنه ، فتبقى كتبه ، وتبقى مؤسساته ، وتبقى عباراته ، وتبقى الصور ، وربما تبقى الطقوس ؛ لكن السؤال الذي كان يربط كل ذلك بالمستقبل يصبح غائبًا ، وهنا يظهر الفرق بين بقاء الأثر وبقاء الفكرة ، قد يبقى الأثر قرنًا كاملًا ، بينما تكون الفكرة قد ماتت منذ زمن ، وقد تمتلئ المكتبات بكتب رجل مات ، وتبقى خطبه محفوظة ، ويستمر أتباعه في ترديد كلماته ، لكن ذلك كله لا يعني أن فكرته لا تزال حية ، فالفكرة لا تحيا لأن الناس يتحدثون عنها ، وإنما لأنها تجعلهم يفكرون في ما لم يحدث بعد ، ومن هنا يكون أخطر ما يفعله موت صاحب الفكرة أنه قد يحول الفكرة من مشروع إلى تراث ، ومن سؤال إلى جواب ، ومن طريق إلى نصب تذكاري ، بعد ما غيب الديمقراطية .
وهنا أيضًا يتوقف التفكير ، فالموت لا يقتل الإنسان وحده؛ في بعض الحالات ، يقتل الأسئلة التىّ كانت مرتبطة به ، وعندما تتوقف الأسئلة ، تصبح اللغة عاجزة عن إنتاج المستقبل ، تتحول إلى لغة عزاء ، ولغة استذكار ، ولغة تمجيد ، بينما تتراجع اللغة التىّ كانت تسأل : ماذا بعد؟وهذا بالضبط هو المكان الذي يصبح فيه الفكر الثقافي ضرورة سياسية ، لا ترفًا معرفيًا ، ومن هذه الزاوية يمكن فهم تجربة سلسلة «كتاب الأمة»؛ فهي لم تأتِ لتكون مجرد مجموعة من الكتب المتجاورة، وإنما نشأت بوصفها مشروعًا فكريًا وثقافيًا طويل النفس ، يربط المعرفة بالقضايا الحية التىّ تواجه الأمة ، ويجعل الكتاب وسيلة لإعادة التفكير في الإنسان والمجتمع والحاضر والمستقبل ، وقد امتدت السلسلة لأكثر من أربعة عقود ، وتناولت قضايا متعددة في الفكر والثقافة والعلوم ، مع اهتمام واضح بالأسئلة المعاصرة ، ولعل أكثر ما يلتقي مع سؤالنا هنا أن من الموضوعات التىّ حضرت في مشروع السلسلة دور التراث في بناء الحاضر وإبصار المستقبل ، وهي عبارة تختصر إشكالية كاملة : كيف نستعيد الماضي دون أن نسكن فيه؟ وكيف نجعل التراث مصدرًا لرؤية المستقبل لا بديلًا عنه؟فالأمة لا تحتاج إلى التراث لكي تتذكر فقط ، وإنما تحتاج إليه لكي ترى ، وهذه هي الوظيفة التىّ ينبغي أن يؤديها الكتاب : ألا يسمح للحاضر أن يصبح سجينًا للماضي ، وألا يسمح للماضي أن يتحول إلى قبر للمستقبل ، وفي هذا المعنى، يصبح «كتاب الأمة» نفسه مثالًا على الفكرة التىّ نحاول الوصول إليها : الفكرة لا ينبغي أن تكون ملكًا لصاحبها ، ولا ينبغي أن تتوقف بموته ، بل عليها أن تنتقل من شخص إلى آخر ، ومن جيل إلى جيل ، وأن تعيد إنتاج نفسها أمام أسئلة الزمن المتغير ، فالكتاب الذي يكتفي بحفظ كلام السابقين قد يحفظ الذاكرة ، لكنه لا يصنع المستقبل ، أما الكتاب الذي يعيد فتح الأسئلة ، ويضع التراث أمام الحاضر ، والحاضر أمام المستقبل ، فإنه يمنح الفكرة فرصة جديدة للحياة .
وهنا يعود السؤال الأول : ماذا يحدث عندما يموت صاحب الفكرة؟ ربما تكون الإجابة أن موته هو الامتحان الحقيقي للفكرة ، فما دام صاحبها حيًا، يستطيع أن يدافع عنها ، وأن يشرحها ، وأن يصححها ، وأن يمنحها من حضوره ما يجعلها قابلة للحياة ، أما بعد رحيله ، فلا يبقى أمامها إلا المجتمع الذي آمن بها ، عندها يتضح إن كانت الفكرة أكبر من صاحبها ، أم أن صاحبها كان أكبر منها ، إذا كانت الفكرة أكبر منه ، فإن موته يصبح انتقالًا لا نهاية ؛ تنتقل الفكرة من شخص إلى أمة ، ومن صوت إلى أصوات ، ومن تجربة فردية إلى مسؤولية جماعية ، أما إذا كانت الفكرة قد ارتبطت به إلى درجة أنها لا تستطيع التنفس بدونه ، فإن الأمة لا تفقد قائدًا فقط ، بل تفقد قدرتها على تخيل المستقبل ، وهنا يتحول الحداد إلى حالة سياسية ، يصبح الناس أسرى للماضي ، يكررون العبارات ذاتها ، ويستعيدون الصور ذاتها ، ويحتفلون بالذكرى بدل أن يواصلوا الطريق ، وكلما طال الحداد ، ازداد خطر أن تتحول الأمة من جماعة تصنع المستقبل إلى جماعة تتذكر رجلًا صنع لها صورة عنه ، فإن الوفاء الحقيقي لصاحب الفكرة لا يكون في إبقاء صورته حيّة ، وإنما في إبقاء المستقبل الذي حلم به مفتوحًا ، وربما لهذا لا ينبغي أن نسأل بعد موت المفكر : ماذا قال؟ ، بل ينبغي أن نسأل : ما السؤال الذي تركه لنا؟ ، فالكلمات التىّ تركها قد تنتمي إلى زمنه ، أما السؤال الذي فتحه فقد ينتمي إلى المستقبل ، وهنا تحديدًا تكمن الحياة ، فاللغة صُممت للحياة، لكن ليس كل من يستخدمها حيًا ، وكذلك الأفكار : قد تبقى الكلمات بعد موت أصحابها ، لكن بقاء الكلمات لا يعني بقاء الفكرة ، الفكرة تكون حية عندما تستمر في إنتاج الأسئلة ، وعندما تجعل الحاضر يشعر بنقصه ، وعندما تدفع الإنسان إلى المستقبل بدل أن تعيده باستمرار إلى الماضي ، ومن هنا يصبح النقص ليس عيبًا ، وإنما شرطًا للحركة ، والأمة ليست قوية لأنها وصلت ، وإنما لأنها لا تزال تسير ، وصاحب الفكرة لا يخلد لأنه لم يمت ، فهذا مستحيل ، وإنما يخلد عندما تصبح فكرته قادرة على أن تعيش من دونه ، عندها فقط لا يكون موته موتًا جماعيًا ، بل ولادة لمسؤولية جماعية جديدة ، أما إذا ماتت الأمة مع صاحب الفكرة ، فالمشكلة لم تكن في موته ، وإنما في أن الفكرة لم تتحول ، طوال حياته ، من ملكية فردية إلى وعي جماعي .
ولهذا ربما يكون السؤال الأخير هو الأشد قسوة :
هل نريد أن نحفظ أصحاب الأفكار ، أم أن نريد أن نحفظ المستقبل الذي ماتوا وهم يحاولون بناءه؟
فالأول يصنع ذاكرة.
أما الثاني ، فيصنع أمة … والسلام 🙋‍♂️

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *