حين يصبح الغباء قوة: عن غياب المنطق وانهيار الحوار…

مروان صباح :
حوار الطرشان - أرضية مشتركة   هناك لحظات في حياة الإنسان لا يتغير فيها العالم من حوله فقط ، بل تتغير الطريقة التي يفهمه بها ، يجد الإنسان نفسه في المكان ذاته ، بين الوجوه والأشياء نفسها ، لكنه يشعر بأن المعاني التىّ كانت تمنح حياته وضوحًا بدأت تتراجع ، ليست الغربة دائمًا فقدان المكان ، بل أحيانًا فقدان القدرة على قراءة المكان ، ومن هنا تبدأ أزمة الوعي ؛ فالمشكلة ليست دائمًا في قلة المعلومات ، بل في عجز الإنسان عن استخدام عقله لمراجعة ما يعرفه وما يعتقد أنه يعرفه ، ولعل السؤال الأكثر إثارة للتأمل هو : لماذا قد يصبح الغباء أخطر من الشر؟ ، قد يبدو السؤال مستفزًا ، فالشر ارتبط تاريخيًا بالقسوة والدمار ، بينما يُنظر إلى الغباء باعتباره مجرد نقص في الفهم ، لكن المقصود هنا ليس الغباء بمعنى ضعف الذكاء أو قلة المعرفة ، بل حالة ذهنية واجتماعية يفقد فيها الإنسان القدرة على اختبار أفكاره ، ويصبح أسيرًا لقناعات لا تخضع للنقد أو المراجعة ، فالشر ، رغم خطورته ، يمتلك غالبًا منطقًا يمكن كشفه ومواجهته ؛ له أهداف ومصالح ودوافع يمكن تحليلها ، أما الغباء حين يتحول إلى موقف فكري ، فإنه لا يعمل وفق منطق ثابت ، لأنه يرفض أصلًا الاحتكام إلى المنطق ، إنه لا يبحث عن الحقيقة ، بل عن ما يؤكد قناعته المسبقة ، حتى لو اصطدم ذلك بالواقع ، وهنا تكمن خطورته ؛ فالخطأ يمكن تصحيحه ، أما العقل الذي يرفض إمكانية الخطأ فإنه يغلق الطريق أمام التصحيح .
ولهذا قيل قديمًا : لا تجعل اللسان يتجاوز العقل ، فالكلمة قبل أن تخرج تكون جزءًا من تفكير صاحبها ، أما بعد خروجها فإنها تصبح موضوعًا عامًا ، تدخل في مساحة النقد والحوار ، وتخضع لمعايير الصواب والخطأ ، ولذلك فإن التريث قبل الكلام ليس مجرد فضيلة أخلاقية ، بل هو شرط من شروط التفكير السليم ، لكن إحدى أكبر أزمات الإنسان تبدأ عندما يخلط بين الفكرة وصاحبها ، فكثير من النقاشات لا تنتهي بسبب ضعف الحجج ، بل بسبب انتقالها من مناقشة الأفكار إلى محاكمة الأشخاص ، بدل أن يُسأل : “هل هذه الفكرة صحيحة؟” يصبح السؤال : “من قالها؟ وما تاريخه؟ وإلى أي جهة ينتمي؟” ، وهنا تتحول الحقيقة من موضوع للبحث إلى معركة هويات .
إن مهاجمة الشخص بدل مناقشة فكرته ليست دليل قوة ، بل غالبًا علامة على العجز عن مواجهة الحجة ، فالفكرة لا تصبح خاطئة لأن صاحبها سيئ، كما أنها لا تصبح صحيحة لأن قائلها محبوب ، فالحقيقة لا تحمل أخلاق صاحبها ، بل تحمل قوة دليلها. ، فالعملية الحسابية تبقى صحيحة مهما كان قائلها ؛ لأن 1+1=2 لا تتغير إذا قالها إنسان صالح أو إنسان سيئ السيرة ، وكذلك الأفكار تحتاج إلى أن تُختبر بمنطقها وأدلتها ، لا بصورة أصحابها ، وهذا الخلل لا يبقى داخل النقاشات الفردية فقط ، بل ينتقل إلى المجتمع والسياسة ، فعندما تضعف ثقافة البرهان ، يصبح من الأسهل توجيه الاتهامات الشخصية ، وتحويل الخصم إلى عدو ، واستبدال الحوار بالتخوين أو الإهانة ، عندها لا يعود الهدف فهم الفكرة ، بل إسقاط صاحبها ، وهنا تظهر إحدى أزمات الجماهير ؛ فالإنسان داخل المجموعة قد لا يدافع عن الفكرة لأنها صحيحة ، بل لأنها أصبحت جزءًا من هويته ، فيصبح تغيير الرأي وكأنه خسارة للذات ، لا مجرد مراجعة فكرية .
وقد استطاع الأدب أن يكشف هذه المعضلة بطريقة عميقة ، ومن أبرز الأمثلة رواية “غرابة في عقلي” للكاتب أورهان باموق ، حيث يعيش مولود قره طاش وسط مدينة إسطنبول التىّ تتغير من حوله باستمرار ، فغربته ليست فقط عن المكان ، بل عن التحولات التىّ أصابت المدينة والناس والقيم ، إنه إنسان يحاول أن يجد معنى ثابتًا في عالم لا يتوقف عن التغير ، وهذه الصورة الأدبية تلامس جوهر أزمة الإنسان المعاصر : أن العالم قد يتغير بسرعة أكبر من قدرة وعيه على فهمه ، وعندما يعجز الإنسان عن تفسير الواقع ، قد يلجأ إلى الأفكار السهلة ، والأحكام الجاهزة ، واليقين المغلق ، لأنها تمنحه شعورًا مؤقتًا بالأمان ، لكن المجتمعات لا تنهض باليقين المغلق ، بل بالقدرة على السؤال ، فالعقل الحي ليس هو العقل الذي لا يخطئ ، بل العقل الذي يمتلك الشجاعة للاعتراف بخطئه وتصحيحه .
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان ليس أن يحمل فكرة خاطئة ، فكل البشر يخطئون ، بل أن يفقد القدرة على اكتشاف خطئه ، لأن الإنسان الذي يقبل المراجعة يمكن أن يتعلم ، أما الإنسان الذي يرى نفسه فوق المراجعة فإنه يتحول إلى أسير لما يظنه حقيقة ، ولهذا فإن الغباء يصبح أكثر خطورة من الشر في بعض اللحظات ، ليس لأنه أكثر قسوة ، بل لأنه يمنع المجتمع من امتلاك الأدوات التىّ تواجه القسوة والخطأ ، فالشر يمكن كشفه عندما يظهر ، أما الغباء، حين يصبح ثقافةً عامة، فإنه يجعل كشفه بالغ الصعوبة ؛ لأنه بلا منطق ، ولا يعترف بدليل ، ولا يقبل حجة ، وحين تتبناه الجموع ، يتحول اللامعقول إلى مألوف ، ويُتهم العقل بالتعقيد ، ويُنظر إلى التفكير النقدي على أنه شذوذ ، حتى يغدو صوت الحكمة غريبًا وسط ضجيج الوهم .
وربما لا يكون السؤال الحقيقي : لماذا ينتصر الشر؟ بل: كيف يصل الإنسان إلى مرحلة يدافع فيها عن الخطأ كما لو كان يدافع عن الحقيقة؟ ، فالمجتمع الذي يفقد القدرة على السؤال ، يفقد تدريجيًا القدرة على التطور ، أما الإنسان الذي يحتفظ بشجاعة التفكير ، فإنه يبقي الباب مفتوحًا أمام الحقيقة مهما كانت صعبة.

لأن بداية الوعي ليست في امتلاك كل الإجابات ، بل في امتلاك الجرأة على طرح السؤال … السلام

Weniger anzeigen

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *