حين تسارعت الحضارة وتأخر الإنسان…

مروان صباح :

المرض العقلي الأكثر شيوعاً... القلق الفتّاك - جريدة الجريدة الكويتية    في كل مرة تحقق فيها البشرية انتصاراً جديداً على الطبيعة ، تعتقد أنها اقتربت خطوة أخرى من الطمأنينة ، فمن النار إلى الآلة البخارية ، ومن الكهرباء إلى الإنترنت ، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي ، كان الهدف المعلن واحدًا : تخفيف أعباء الإنسان وتحريره من مشقة الحياة ، واليوم ، لم يعد الكاتب بحاجة إلى مدقق لغوي ، ولا الباحث إلى مساعد يجمع له المصادر ، ولا الموظف إلى ساعات طويلة لإنجاز ما كان يستغرق أياماً ، فقد أصبحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي ، أو ما يسميه بعض الفلاسفة بـ”البراعة الاصطناعية”، تؤدي كثيراً من المهام بسرعة ودقة واتساع لم يكن من الممكن تخيله قبل سنوات قليلة ، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق بما تستطيع التكنولوجيا إنجازه ، بل بما لم تستطع إنجازه حتى الآن : لماذا لم ينخفض قلق الإنسان كلما ازدادت رفاهيته؟ ولماذا يبدو الإنسان المعاصر أكثر توتراً ، رغم أنه يعيش في أكثر العصور وفرةً في المعرفة والوسائل؟

في أصل تكوينه ، لم يُخلق القلق ليكون عبئاً دائماً ، بل وظيفة بيولوجية تحفظ البقاء ، فعندما يواجه الإنسان خطراً ، تستنفر منظومته الدفاعية ، فيرتفع مستوى التأهب ، ثم تعود النفس إلى توازنها بزوال التهديد ، هكذا تشكل العقل البشري عبر آلاف السنين ، إلا أن ما تغير لم يكن الإنسان ، بل العالم الذي يعيش فيه ، فالحداثة ، بما حملته من فردانية ، وتراجع لدور الأسرة ، وهيمنة السوق ، وتسارع التكنولوجيا ، جعلت الخطر حالة مستمرة لا حادثة عابرة ، لم يعد الإنسان يخشى مفترساً في الغابة ، بل أصبح يطارده خوف أكثر تعقيداً : فقدان الوظيفة ، وتقلب الأسواق ، وتغير المهن ، وتآكل العلاقات ، وسيولة الهويات ، وسباق لا يتوقف مع الزمن ، وهكذا لم تعد المنظومة الدفاعية تستجيب لخطر مؤقت ، بل أصبحت تعمل داخل بيئة كاملة تُنتج القلق بصورة يومية ، فتحول القلق من استجابة بيولوجية إلى بنية اجتماعية وثقافية تكاد تكون السمة الأكثر حضوراً في الحياة الحديثة ، وليس من قبيل المصادفة أن يشعر كثير من أبناء هذا العصر بأنهم يعيشون حالة هروب دائم ؛ هروب من الالتزام ، ومن العلاقات الطويلة ، ومن المسؤوليات الممتدة ، وحتى من ذواتهم ، فكلما ازدادت سرعة العالم ، تقلصت قدرة الإنسان على بناء يقين يستقر عليه ، ولم يعد الزمن يسمح بتكوين عادات راسخة أو روابط مستقرة ، لأن كل شيء قابل للتبدل في أي لحظة ، فإن أخطر ما أنتجته الحداثة ليس الذكاء الاصطناعي ، بل تحويل المنظومة الدفاعية للإنسان من استجابة مؤقتة للخطر إلى حالة استنفار دائم بفعل عالم لا يعرف الثبات .
ولعل هذا ما يمنح رواية الغثيان للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر حضورها المتجدد ، فالغثيان عند سارتر لم يكن مرضاً نفسياً ولا اضطراباً عضوياً ، بل لحظة انكشاف شعر فيها الإنسان بأن العالم فقد ألفته ، وأن الأشياء لم تعد تمنحه المعنى الذي اعتاد أن يراه فيها ، غير أن ما كان عند سارتر تجربة وجودية يعيشها فرد ، يبدو اليوم وكأنه أصبح تجربة حضارية يعيشها مجتمع بأكمله ، فالإنسان المعاصر لا يواجه عبث الوجود فحسب ، بل يواجه أيضاً حضارة تتحرك بسرعة تتجاوز قدرته البيولوجية والثقافية على التكيف معها ، حتى غدا الإحساس بعدم اليقين جزءاً من الحياة اليومية ، ولا يمكن فهم هذه التحولات بمعزل عن البيئة السياسية والاقتصادية التىّ أنتجتها ، فقد أسهمت العلمانية الحديثة في تحرير العقل من كثير من القيود ، وأطلقت ، بالتحالف مع الرأسمالية ، واحدة من أعظم الثورات العلمية والتقنية في التاريخ ، إلا أن النجاح في بناء القوة المادية لا يعني بالضرورة النجاح في بناء منظومة أخلاقية واجتماعية قادرة على حماية الإنسان من الاغتراب ، فالقوانين تنظم الحقوق والواجبات ، لكنها لا تصنع الانتماء ، والأسواق تنتج الثروة ، لكنها لا توزع الطمأنينة ، ولعل ايضاً المفارقة الأكثر وضوحاً أن العالم الذي ينتج آلاف المليارديرات 3500 ، بينما يعيش مليارات البشر عند حدود الكفاف ، بين 2 إلى 5 دولارات يومياً للعائلة ، هو عالم نجح في تعظيم الكفاءة الاقتصادية أكثر مما نجح في تحقيق العدالة الاجتماعية ، وليس المقصود هنا إدانة الحداثة أو إنكار منجزاتها ، وإنما التساؤل عما إذا كانت الحضارة قد انشغلت بإنتاج الوسائل أكثر من انشغالها بإنتاج المعنى ، وبمراكمة الثروة أكثر من اهتمامها بإعادة بناء الإنسان .

لقد أصبح الإنسان اليوم أكثر قدرة على تغيير العالم من أي وقت مضى ، لكنه يبدو أقل قدرة على السيطرة على قلقه ، وهذه هي مفارقة العصر ؛ فكلما ازدادت قوة الحضارة ، ازدادت هشاشة الإنسان ، وربما لا تكمن أزمة القرن ال 21 نقص التكنولوجيا ، بل في اتساع الفجوة بين السرعة التىّ تتطور بها الحضارة ، والسرعة التىّ يستطيع بها الإنسان أن يتكيف معها ، وما لم تنجح المجتمعات في ردم هذه الفجوة ، فإن الذكاء الاصطناعي سيواصل التصحيح والتحرير والتنوير ، وتحليل البيانات ، وإدارة الأعمال ، بينما سيبقى السؤال الأهم معلقاً : كيف يستعيد الإنسان طمأنينته في عالم لا يتوقف عن الركض ؟ … والسلام 🙋‍♂️ 

Weniger anzeigen

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *