نضج الشعب لا استيلاء الحزب – إشكالية بناء الدولة في مشروع سعاده

سعاده عبد الرحيم:

تعرف على ستة من رسّامي الكاريكاتير السوريين الذين تجرأوا على السخرية من الأسد · Global Voices الأصوات العالمية   الجزء السادس :  تمهيد: لماذا هذا الجزء؟
في الأجزاء السابقة، قارنّا بين ماركس وسعاده في الفلسفة، الدولة، الاقتصاد، والأخلاق. ورأينا كيف أن سعاده يقدّم مشروعاً متكاملاً للنهضة، يقوم على وحدة الأمة، وعدالة اجتماعية اقتصادية، وأخلاق قومية، ومؤسسات ضابطة.
لكن سعاده، رغم عبقريته التنظيرية، لم يكمل مشروعه. استُشهد قبل أن يتمكن من ترجمة تنظيمه الحزبي إلى دولة متكاملة في ظروف النضج الشعبي الكامل. وهذا الجزء ليس تفنيداً لفكره، بل هو استكمال لأسئلته المفتوحة، ونقد ذاتي للقومية الاجتماعية من داخلها، .
أولاً: الدولة عند سعاده – نضج لا استيلاء
سعاده يرفض منطق “الاستيلاء على السلطة” الماركسي، الذي يرى في الدولة غنيمة يجب انتزاعها بالقوة. فالدولة القومية عنده ليست هدفاً تُنتزعه الثورة، بل هي نتاج طبيعي لنضج الأمة، أي لبلوغها درجة من الوعي تجعلها قادرة على إدارة شؤونها بنفسها.
ثورته على النظام اللبناني عام 1949 لم تكن محاولة لفرض دولة جديدة، بل كانت فعلاً دفاعياً لحماية الحزب من الإبادة، وليس هجوماً للاستيلاء على السلطة. وهذا يفسر لماذا لم يحاول سعاده إقامة “دولة موازية” أو حكومة منفى، بل ظل يعمل داخل الإطار اللبناني منتظراً أن ينضج الشعب السوري لثورته الكبرى.
والحزب، في هذه الرؤية، ليس طليعة تفرض وصايتها على الشعب، بل هو مدرسة الأمة، أي أداة لتربية الشعب وتوعيته، حتى يصبح قادراً على اختيار دولته بنفسه.
ثانياً: لماذا لم يطرح سعاده سؤال “دمج الحزب بالدولة”؟
سعاده لم يطرح هذا السؤال لأنه لم يكن يريد حزباً حاكماً، بل حزباً رائداً يفوز بثقة الشعب عبر الانتخابات أو الثورة الشعبية الجامعة، وليس عبر انقلاب أو استيلاء على السلطة.
راهن سعاده على فعل النهضة في الشعب، لا على فرض النخبة لإرادتها. فهو يرى أن النهضة الحقيقية لا تأتي من فوق، بل من أسفل، من وعي الشعب وإرادته.
والنخب الحزبية، في هذا التصور، ليست دائرة مغلقة، فالحزب مفتوح لكل من يؤمن بقضيته، والأحزاب الأخرى مسؤولة عن نفسها، ولكل حزب برنامجه السياسي، شريطة أن يقرّ بأن الأمة السورية هي إطاره الطبيعي.
ثالثاً: الهندسة الدستورية في مشروع سعاده
على عكس ما قد يوحي به البعض، لم يترك سعاده الدولة دون ضمانات. فقد وضع أسساً لهندسة دستورية متكاملة تقوم على ثلاث سلطات مستقلة متعاونة:
أولاً: السلطة التنفيذية
تتركز في رئاسة الحزب، التي لها مجلس عمد يساعد الىئيس في الادارة و تتفرع عنها هيئات تنفيذية على الأرض (مديريات ومنفذيات) تنفذ سياسة الحزب في المتحدات (أحياء، قرى، مدن). ولكل منفذية برامجها المحلية، ولكل مديرية برامجها المحلية.
ثانياً: السلطة التشريعية
يمثلها المجلس الأعلى، الذي ينتخبه المجلس القومي، ويتكون أعضاؤه من حملة رتبة الأمانة. وهو السلطة التشريعية العليا التي تشرع القوانين وتقر السياسات العامة.
ثالثاً: السلطة القضائية
يمثلها المحكمة الحزبية العليا، التي وضع سعاده مسودتها قبل استشهاده. وهي سلطة مستقلة تفصل في قضايا الأعضاء، وتسقط رتبة الأمانة عن المخالفين بقرار منها وتفسر الدستور وتحل الخلافات الدستورية بين السلطة التنفبذية والتشريعية وتحاكم اعضاء الادارة العلبا بعد احتالتهم إليها.
رابعاً: الهيئات الاستشارية والناخبة
· المجلس القومي: هيئة ناخبة تنتخب المجلس الأعلى. محدث بعد استشهاد سعاده.
· مجلس المنفذية: هيئة استشارية لهيئة المنفذية والرقابة المالية على صندوق المنفذية المالي وفرض ضرائب محلية .
· لجنة المديرية: هيئة استشارية لهيئة المديرية في شؤون المتحد، و لفت النظر إلى القرارات التي قد يكون لها نتائج غير مستحبة.
خامساً: رتبة الأمانة – جوهر النظام السعادي
رتبة الأمانة هي اللبنة الأساسية للنظام السعادي. لا تُمنح إلا بشروط قاسية تتعلق بالفهم العقائدي، والالتزام الحزبي، والشجاعة، والإخلاص، والسلوك النظامي، والدفاع عن الحزب والعقيدة، والإيمان والسلوك في المجتمع.
ولحامل الرتبة صلاحيات ومهام خطيرة، منها:
· عضوية المجلس الأعلى.
· رئاسة الحزب.
· عضوية المحكمة الحزبية (مع مراعاة الاختصاص الحقوقي).
· عضوية هيئة منح رتبة الأمانة.
وكان الزعيم يمنح رتبة الأمانة ويحجبها، وحاليا تسقط بقرار من المحكمة الحزبية العليا إذا أخل الأمين بشروطها.
وبهذه الهندسة الدستورية، يضمن سعاده:
1. فصل السلطات مع التعاون بينها.
2. رقابة متبادلة بين الهيئات المعينة والمنتخبة.
3. استقلال القضاء.
4. آليات لعزل المسؤولين وإسقاط العضوية.
5. أخلاق المؤسسات التي تدعمها القوانين والرقابة.
وهذه الضمانات تجعل الدولة مؤسسة الشعب الكبرى، لا سلطة فوق المجتمع.
رابعاً: العلاقة مع القوى الأخرى – المبدأ ثم التحالفات
أولاً: المبدأ الأساسي
مبدأ سعاده في العلاقات مع القوى الأخرى واضح وحاسم: “مصلحة سورية فوق كل مصلحة”. هذا المبدأ هو البوصلة التي تُحدد موقفه من أي تحالف، داخلياً كان أم خارجياً.
ثانياً: التحالفات الداخلية (المرحلية)
على الصعيد الداخلي، التحالفات مع القوى السياسية الأخرى تكون مرحلية، وتُعقد على أساس الاقتراب في الأهداف الجزئية والكبرى. ومثال ذلك التحالف مع حزب الله: العدو المشترك (إسرائيل) يجمعهما، لكنهما يختلفان جوهرياً في رؤية تنظيم الدولة؛ فسعاده يرفض الحزب الطائفي لأنه يُجزئ الشعب ويُضعف الأمة.
ثالثاً: التحالفات الخارجية (المرحلية)
على الصعيد الخارجي، التحالفات تُقاس بنفس المبدأ: “مصلحة سورية فوق كل مصلحة”. وهي مرحلية، تُعقد مع القوى التي تتفق معها في أهداف ومصالح معينة، دون التزام عقدي أو أيديولوجي دائم.
رابعاً: التحالفات الدائمة (الثابتة) 
أما التحالفات الدائمة، فليست كثيرة، وهي مرتبطة بغاية الحزب. “السعي لانشأءجبهة عربية”، ، فهي ليست خياراً مرحلياً أو تكتيكياً. لكنها تبقى شأناً خارجياً، والعمل الداخلي (بناء الأمة السورية وتحريرها) هو الأهم والأسبق. 
خامساً: نضج الشعب وأولوية العمل الداخلي 
الأمة القوية داخلياً هي القادرة على الانفتاح الخارجي بثقة، بل هي القادرة على العطاء. فالقوة ليست غاية في ذاتها، بل هي شرط للوجود الفاعل والمؤثر.
أما الأمة الضعيفة، فهي عرضة للاستغلال تحت غطاء أي مشروع خارجي، مهما كان نبيلاً في ظاهره. لذلك، كان العمل الداخلي (بناء الأمة وتحريرها) هو الأهم والأسبق في مشروع سعاده.
خاتمة الجزء السادس: الخلاصة النهائية للسلسلة كلها
في هذه السلسلة، رأينا كيف أن كل مفهوم مركزي في الفلسفة السياسية والاجتماعية يختلف بين ماركس وسعاده اختلافاً جذرياً:
· في الحقيقة: ماركس يراها انعكاساً للواقع المادي، وسعاده يراها الوجود المعروف الذي لا يتحقق إلا بوعي الإنسان.
· في الحرية: ماركس يراها تحرراً من القيد، وسعاده يراها تحرراً من الجهل ب” من نحن” والامراض الاجتماعية والسياسية والاستعمار الخارجي والتبعية الروحية للخارج وذلك من أجل الغاية وهي النهضة.
· في الدولة: ماركس يراها أداة قمع يجب أن تزول، وسعاده يراها مؤسسة الشعب الكبرى وضرورة وجودية.
· في الاقتصاد: ماركس يراه محركاً للتاريخ يقوم على الاستغلال، وسعاده يراه أداة في خدمة الأمة ضمن نظام قومي اجتماعي.
· في الأخلاق: ماركس يراها نتاجاً للظروف المادية وأداة للصراع الطبقي، وسعاده يراها التزاماً بقيم وشرطاً للنهضة.
ماركس أضاء على المسألة الاقتصادية، واستفاد منه كل المفكرين الاقتصاديين الاجتماعيين من بعده. لكن حلوله (ديكتاتورية البروليتاريا، تأميم وسائل الإنتاج، إلغاء الملكية الخاصة) أثبتت فشلها في التطبيق، وأدت إلى ديكتاتوريات قمعية.
أما سعاده، فقدّم مشروعاً متكاملاً للنهضة، يقوم على وحدة قومية جامعة، وعدالة اجتماعية اقتصادية، وأخلاق قومية، وهندسة دستورية رقابية. لكنه لم يكمل مشروعه، لأنه استشهد قبل أن يتمكن من ترجمة تنظيمه الحزبي إلى دولة متكاملة في ظروف النضج الشعبي الكامل.
الخلاصة التركيبية التي نخرج بها من هذه المقارنة:
· عدالة اجتماعية اقتصادية، تنظر الى نقد الاستغلال الذي قدمه ماركس ، لكنها ترفض حلوله واختزالاته وتقدم عدالة اجتماعية اقتصاية نابعة من روح الأمة السورية وابداعها الخاص.
· وحدة قومية جامعة، كما في مشروع سعاده، التي لا تعلو على الإنسان، بل تجعل الأمة إطاراً لتحرره، وليس سجناً له.
· مؤسسات رقابية وأخلاقية، كما وضعها سعاده من هندسة دستورية وقضائية وحصلت بعض التعديلات بعد استسهاد سعاده راغبة في مراعاة انسجامها مع روح الدستور والعقيدة والغاية.
· رفض أي اختزال، سواء اختزال الإنسان إلى معدة، أو اذابته في الأمة، أو إلى فردانية متوحشة.
والنهضة الحقيقية، في نهاية المطاف، ليست استيراداً لأيديولوجيا جاهزة، ولا اختزالاً للإنسان في بعد واحد من أبعاده. هي مشروع متكامل، يقوم على عدالة، ووحدة، ومؤسسات، ووعي، وإرادة. وهي تبدأ من بناء الانسان الفرد، وتنتهي بالإنسان المجتمع، ووتبقى حريصة على ببقاء الإنسان هو الغاية، لا الوسيلة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *