حسان ديب
أولاً: قلب القيم.. عندما يرتدي المجرم جبّة القاضيلقد نفق الإله القديم في هذه الأرض، لكن جثته لا تزال تسمم الآبار. انظروا إلى سورية اليوم؛ أليست هي المسرح الأكبر لـ “إعادة تقييم كل القيم”، ولكن بطريقة عكسية وممسوخة؟ إنها الكوميديا الإلهية السوداء حيث يرتدي السارق عمامة رجل الدين، ويجلس الإرهابي على عرش الرئاسة، ويحمل القاتل مطرقة القاضي.
كيف حدث هذا؟ إنه ليس مجرد حادث سياسي، بل هو انحطاط غريزي عميق. عندما تفقد الثقافة إرادتها في الحياة، وعندما تخبو “إرادة القوة” لدى الأقوياء والنبلاء، يزحف الرعاع من كهوفهم. المجرم هنا لا يكتفي بالسرقة؛ إنه يريد شرعنة سرقته. وبما أنه يفتقر إلى النبل والقدرة على الخلق، فإنه يحتاج إلى “المقدس” ليحمي خسته. إنهم يعيدون تسمية الأشياء:
الجبن يُسمى “ورعاً وتقية”.
نهب الحياة يُسمى “جهاداً وجباية”.
العجز عن الخلق والابتكار يُستبدل بـ “الامتثال الأعمى للنصوص القديمة”.
هكذا، يتأسس نظام جديد للقيم لا ينبع من فيض الحياة وقوتها، بل من العفن والخوف.
ثانياً: “أخلاق العبيد” وتشويه الهوية السورية
من هم هؤلاء الإسلاميون، الدواعش، ورجال القاعدة؟ إنهم التجسيد الأوضح لـ “أخلاق العبيد” كما وصفها نيتشه في كتابه أصل الأخلاق وفصلها. إن حركتهم الأساسية ليست حركة فعل، بل حركة رد فعل. إنهم لا ينتجون قيماً، بل يتغذون على حقد دفين (Ressentiment) تجاه كل ما هو جميل، نبيل، وتعددي في الهوية السورية.
إن سورية التاريخية—سورية الآثار، الفلسفة، التعدد، والانفتاح—تثير رعبهم. لماذا؟ لأن النبل والجمال يشعرانهم بصغر حجمهم وعجزهم. لذا، فإن غريزتهم الأولى هي التشويه.
أخلاق العبيد تبدأ دائماً بـ “لا” للآخر، بـ “لا” للحياة، بـ “لا” للمختلف.
إنهم بحاجة إلى اختراع “شيطان” ليثبتوا أنهم “أخيار”.
إن طائفتهم هي ملاذ الضعفاء الذين لا يستطيعون الوقوف بمفردهم، فيتكتلون كقطيع مزمجر يخشى الضوء ويسعى لتحويل العالم إلى صحراء قاحلة تشبه دواخلهم الخاوية.
إنهم يكرهون الأرض السورية لأنها ملوثة بالخمر والشعر والحضارات القديمة؛ يكرهونها لأنها تملك تاريخاً يسبق وهْمَهم الصغير. لذلك، كان لا بد من سحق هذه الهوية واستبدالها بنسخة مشوهة، يوتوبيا عدمية لا تعرف سوى الموت كغاية قصوى.
ثالثاً: مأسسة الوهم وقوننة الكهنوت
لقد تذاكى هؤلاء “الكهنة الزاهدون” الجدد. لقد أدركوا أن القوة العارية لا تدوم، فقرروا قوننة السياسة وحصرها في دهاليز “المؤسسات الشرعية” و”المحاكم الإسلامية”.
ما هي هذه المؤسسات؟ إنها أدوات تدجين لإرادة الإنسان. السياسة في جوهرها النبيل هي صراع الإرادات، هي فن الممكن والمستقبل، هي مجازفة الأحرار. أما هم، فقد حولوها إلى قيد ثقيل من الفتاوى والتشريعات التي تخنق أي بادرة للحياة الحرة.
لقد وضعوا القوانين لا لحماية الإنسان، بل لخصيه فكرياً وأخلاقياً. الكاهن يريد رعية مطيعة، رعية تشعر بالذنب الدائم وتطلب الغفران عند عتبات محاكمه. بوجود هذه القوانين والمؤسسات الدينية، يُلغى العقل الفردي ويحل محله “ضمير القطيع”. يصبح التفكير جريمة، وتصبح التبعية المطلقة هي الفضيلة المثلى.
رابعاً: أخلاق السادة.. النخبة العلمانية السورية وعبء الخلق
في المقابل، أين تقف النخبة الثقافية والعلمانية السورية؟ إن عليهم أن يمثلوا “أخلاق السادة”—أولئك الذين يقولون “نعم” للحياة، للجمال، للتعددية، وللتاريخ الممتد في عمق هذه الأرض.
السيد هو من يخلق قيمه بنفسه، ولا يحتاج إلى وعيد الجحيم أو وعد الجنة ليكون نبيلاً. النخبة العلمانية السورية تحمل جينات الحضارات التي مرت من هنا؛ إنها تدرك أن الهوية السورية ليست كتاباً أصفر مغبراً، بل هي نهر متجدد.
ومع ذلك، فإن عبء هذه النخبة ثقيل جداً:
عليهم ألا يسقطوا في فخ “الرد المماثل” أو الضغينة المضادة.
عليهم ألا يتحولوا إلى ضحايا يندبون حظهم، بل أن يمارسوا إرادة الخلق.
إن دور النخبة ليس مهادنة هذا الواقع أو محاورته بالمنطق—إذ لا منطق لدى القطيع—بل تدمير الأوهام بـ “مطرقة الفلسفة والفن”.
“إن سورية لن تتحرر عندما تنتهي الحروب العسكرية فحسب، بل عندما يسقط هذا الصنم الكهنووتي الذي نصبه العبيد في محراب الهوية السورية. يجب على النبلاء والأحرار أن يعيدوا كتابة لوح القيم الخاص بهم، ليس دفاعاً عن أنفسهم، بل تأكيداً على سيادتهم وإرادتهم في الحياة فوق هذه الأرض الحية رغماً عن الموت.”
